الشيخ محمد صالح المنجد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين وبعد ،
فالمستقبل غيب لا يعلمه إلا الله )وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ..) (الأنعام:59)
)قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ...) (النمل:65)
)إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34)
وهذا الغيب قد يطلع الله على بعضه من يشاء سبحانه وتعالى )عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (الجن)
وقد ذكر لنا ربنا في كتابه ونبينا - صلى الله عليه وسلم - في سنته مما أوحى إليه ربنا بعض أنباء الغيب فصار عندنا أمور من الغيب علمناها بإخبار الله لنا وصار ما يحدث في المستقبل بالنسبة لنا ثلاثة أمور:
أولا: شيء معلوم وقوعه يقينا ، كالدجال والدابة وخروج ياجوج وماجوج و أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي ذُكِرت لنا فانه غيب مستقبلي معلوم لنا يقينا بإخبار الله ورسوله .
ثانيا: شيءٌ يُتَوَقَعْ حصوله بالقرائن والمؤشرات ، وهذا ظن قد يقع وقد لا يقع وهو محل دراسة استشراف المستقبل .
ثالثا: أمور مفاجئة قد لا تكون لها مؤشرات ولا قرائن تحدث فجأة ، فلابد من الثبات عند وقوعها اعتمادا على الإيمان بالله - سبحانه - وعلى ما اعد العبد به نفسه لمواجهتها من خلال الارتباط بالله - سبحانه - عقيدة وعملا .
وهذا المستقبل فيه أحداث كثيرة ومفاجآت متعددة .إن هذا الغيب المستقبلي وهذه الأشياء التي يتوقع حدوثها أو تفاجئها لابد أن نهيئ أنفسنا لها . والإنسان مجبول على التطلع للمستقبل ومعرفته ومتشوق إلى معرفة ما يكون فيه ولذلك تحسر زهير في شعره فقال:
واعلم ما في اليوم و الأمس قبلهم
ولكنني عن علم ما في غد عمي
وقد حاولت البشرية أن تعرف ما في الغيب عن طرق باطلة كثيرة كالسحر والكهانة والعرافة والتنجيم والخط بالرمل وقراءة الكف والنظر في الفنجان وحساب الجمل ومتابعة الأبراج وكتب خرافية ألفوها في هذا كالجفر المنسوب إلى كذبا إلى جعفر الصادق وبعض الكتب التي تتحدث عن الملاحم ونحوها مما هو مبني على إسرائيليات أو أحاديث مكذوبة وموضوعة هذه مصادر لا تسمن ولا تغني.
و أما الطرق لاستشراف المستقبل ومحاولة معرفة ما يكون فيه فإننا قد سبق أن قلنا أن منه ما يكون قطعيا يقينيا بالخبر الصادق ، وقد اخبرنا عن هذا بأمثلة كرفع العلم و فشو الجهل وظهور الزنا واستحلال الخمر والمعازف وكثرة القتل والاستخفاف بالقتل وخروج المسيح الدجال ونزول المسيح المهدي ووقوع الملاحم الكبرى بيننا وبين النصارى من جهة وبيننا وبين اليهود من جهة ، قال الإمام احمد - رحمه الله -: كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به .
وكذلك من الأشياء التي تكون في الغيب توقعات الأشياء التي تكون في المستقبل توقعات ممكن تكون مبنية على سنن إلاهية وربانية تتكرر كسنة الابتلاء وسنة الله في المترفين وسنة الله في الظالمين وسنة الله في أعداء الدين وسنة المدافعة التي اخبرنا الله عنها .
ومن الطرق كذلك الرؤى والأحلام وقد اخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرؤيا الصالحة بأنها جزء من النبوة لأنها من المبشرات قال ( الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ) .
ومن الناس من جعل هذه الرؤى ملاذه وجعلها تحذيرا يستسلم به وهروبا من الواقع وتخاذلا عن العمل وقعودا عن السعي والبذل .
ولا بد من معرفة الضوابط الشرعية للرؤى والأحلام فمثلا:
لا نجزم أن هذه رؤيا فقط تكون حديث نفس أو أضغاث أحلام .
لا يجوز الجزم بتفسير معين فيها لان تفسير الرؤى ظن ولا يجوز الكلام فيها .
لا يجوز بغير علم بتفسيرها لانه كالفتوى .
لا ينبني عليها مواقف وتصرفات .
لا يؤخذ منها أحكام .
هي مبشرات ومثبتات وعلى احسن الأحوال قرائن وليست بأدلة فهي بشائر تبعث الأمل ويتفاءل بها ويستعد بها المرء لأمور قد تحدث له في المستقبل .
وكذلك من الطرق الفراسة والإلهام قال ابن حجر: أما الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجة لانا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره ، فهذه التي تُلقى في القلب فراسة لكن لا نستطيع أن نجعلها دليلا يعتمد عليه قال ابن القيم - رحمه الله -: وللفراسة سببان أحدهما جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته والثاني ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة ،ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - أمورا عجيبة .