أيها المسلمون: إِنَّ فَضلَ الحَجِّ عَظِيمٌ وَأجرُهُ كَبِيرٌ ، وَهُوَ يجمَعُ بَينَ العِبَادَةِ البَدَنِيَّةِ وَالمَادِيَّةِ ، وَالأَحَادِيثُ في فَضلِهِ وَعَظِيمِ أَجرِهِ وَأَثرِهِ كَثِيرَةٌ ، قال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( مَن حَجَّ هَذَا البَيتَ فَلَم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رَجَعَ كَيَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ ) )وَسُئِلَ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ ؟ قال: (( إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ: ثم مَاذَا ؟ قال: جِهَادٌ في سَبِيلِ اللهِ قِيلَ: ثم مَاذَا ؟ قال: حَجٌّ مَبرُورٌ ) )وقال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ: (( تَابِعُوا بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ ، فَإِنهما يَنفِيَانِ الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ، وَلَيسَ لِلحَجَّةِ المَبرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ ) )وقال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةِ (( وَمَعَ هَذَا الأَجرِ العَظِيمِ وَالثَّوابِ الجَزِيلِ فَإِنَّ أَيَّامِ الحَجِّ قَلِيلَةٌ ، لا تَتَجَاوَزُ أُسبُوعًا لِمَن بَعُدَت دِيَارُهُ ، وَأَمَّا مَن قَرُبَت دِيَارُهُ فَإِنَّهُ لا يكادُ يَغِيبُ أَكثَرَ مِن أَربَعَةِ أَيَّامٍ
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَقَد يَعتَذِرُ كَثِيرٌ مِنَ المُؤَخِّرِينَ لِلحَجِّ بِالدَّينِ ، وَيَتَحَجَّجُ بِأَنَّ عَلَيهِ حُقُوقًا لِلآخَرِينَ ، فَيُقَالُ: لا شَكَّ أَنَّ الإستِطَاعَةَ شَرطٌ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ الحَجِّ ، وَأَنَّ حُقُوقَ الآدَمِيِّينَ في هَذَا مُقدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ اللهِ ؛ لأَنَّ حُقُوقَهُم بَينَهُم مَبنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ ، وَحَقٌّ اللهِ مَبنَاهُ عَلَى الإِحسَانِ وَالمُسَامَحَةِ ، لَكِنَّ هَذِهِ الدُّيُونَ ـ أَيُّهَا الإِخوَةُ ـ لا تخلُو مِن أَن تَكُونَ دُيُونًا حَالَّةً أَو مُؤَجَّلَةً ، فَإِنْ كَانَت مُؤَجَّلَةً فَلا إِشكَالَ ، وَإِنْ كَانَت حَالَّةً وَقَدَرَ عَلَى دَفعِهَا وَعَلَى نَفَقَةِ الحَجِّ لَزِمَهُ أَنْ يحُجَّ ، وَإِنْ تَوَارَدَا عَلَيهِ جمِيعًا وَلم يَستَطِعْهُما مَعًا فَلْيُقَدِّمْ تَسدِيدَ القِسطِ الذِي يُطَالَبُ بِهِ ، وَلْيُؤَخِّرِ الحَجَّ إِلى أَن يَستَطِيعَهُ ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى الإِنسَانِ دَينٌ طَوِيلُ الأَمَدِ ، مِثلُ الدَّينِ الذِي لِصُندُوقِ التَّنمِيَةِ العَقَارِيَّةِ ، وَهُوَ وَاثِقٌ مِن أَنَّهُ كُلَّمَا حَلَّ عَلَيهِ القِسطُ أَوفَاهُ ، فَإِنَّهُ في هَذِهِ الحَالِ إِذَا تَوَافَرَ عِندَهُ المَالُ وَقتَ الحَجِّ فَعَلَيهِ أَن يحُجَّ ؛ لأَنَّ هَذَا الدَّينَ قَد أُمِّنَ بِالرَّهنِ الذِي لِلصُّندُوقِ وَهِيَ العِمَارَةُ ؛ وَلأَنَّ هَذَا الدَّينَ مَضمُونٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ، حَيثُ إِنَّ صَاحِبَهُ وَاثِقٌ مِن أَنَّهُ يُوَفِّيهِ كُلَّمَا حَلَّ عَلَيهِ القِسطُ فَيَكُونُ مَا في يِدِهِ زَائِدًا على هَذَا الدَّين فَعَلَيهِ أَن يحُجَّ بِهِ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحرِصُوا عَلَى فَرَائِضِهِ وَتَقَرَّبُوا إِلَيهِ بها فَإِنَّهَا أَحَبُّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إِلَيهِ ، وَتَزَوَّدُوا مِنَ النَّوافِلِ وَاستَكثِرُوا مِنهَا يُحِبَّكُمْ وَيُوَفِّقْكُم وَيَجعَلْ لَكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِرْ لكم ، قال ـ تعالى ذِكرُهُ ـ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: (( وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِليَّ ممَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سمعَهُ الذِي يَسمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذِي يُبصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبطِشُ بها وَرِجلَهُ التي يَمشِي بها ، وَإِنْ سَأَلَني لأُعطِيَنَّهُ وَلَئِنِ استَعَاذَني لأُعِيذَنَّهُ ((
الخطبة الأولى
الحمدُ لله الذي حرَّم الظُلمَ على نفسه، ولن يتركَ الظالم هملا، واشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، جعلَ لكلِّ أمةٍ أجلا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله، أصدقُ الناسِ قولاً وأحسنهم عملاً- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ وسلم- تسليماً كثيراً،
أما بعد: فيا أمةَ محمد، من اتقى اللهَ نجا، وجعلَ اللهُ لَهُ من كلِّ همٍ فرجاً، فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى 0 التأريخُ يعيدُ نفسه، والمغولُ يظهرُونَ بثوبٍ جديد، وتحتَ غطاءِ النفاقِ يستحلونَ العراقَ، وتسقطُ بغدادِ كما يزعمون. الأخبارُ تتسارعُ، والغموضُ يلفُ الموقفُ، والأيامُ حُبلى بالمفاجآت، والإعلامُ الكاذبُ ينقلُ صوراً للإرجافِ والتخذيل، وإنَّما ذلِكم الشيطانُ يُخوفُ أولياءه 0 سقطت بغدادُ كما يقُولُون واحتلها الصليبيون، لينشروا فيها الرُعبَ والفساد، ويتقاتلُ الناسُ، وتُنهبُ البيوتُ وهم يتفرجُون، فآهٍ ثُمَّ آهٍ على ما أصابَ الأمةَ من الذلِّ، وآهٍ على ما يلاقيهِ أهلُ العراقِ من الحقدِ والغل 0 ما حالُكُم يا أهلَنا في العراقِ وأنتم بينَ مطرقةِ الصليبِ وسِندانِ المنافقين 0 ما حالُ نسائِكم اللاتي تُداسُ كرامتِهنَّ، ويُخفرُ حياؤهُنَّ على يدِ عُبادُ الصليب ؟ ما حالُ أطفالِكم البائسينَ الذينَ ذاقُوا مرارةَ الحصارِ سنينَ عدداً، وختمَ العدوُّ حياتِهم بشظاياهُ فأهلكَهُم بددا ؟
أماهُ هل تعلمُ الدنيا بمحنتِنَا أمَا لنا في بني الإسلامِ من مددِ
من ذا الغريب الذي يفري حشاشتنا مُلطخُ الوجهِ لا يلوي على أحدِ
من ذا الذي فجَّرَ الدنيا بطائرة ٍ غدَّارةَ المُعتدي نفاثةَ العُقد
لم التشدقُ عن حريتي ودمي مستنزف ورصاص الغدر في جسدي
لم التحدثُ عن نفطي وقد سَرقُوا زادي وقُرص الدواءِ في المجلسِ النكدِ
لم التجارةُ في أرضي وفي شَرفي أماهُ ما الطعنُ في ديني ومعتقدِ
لمَ الرهانُ على حكمي وناصيتي مثلُ الفريسةِ في كماشةِ الأسدِ
لابد للكرب يا أماه من فرج والليل إن طال لن يبقى على الأبد
سَتنبُتُ الأرض أجيالاً مباركةً تُصارعُ البغي بالإيمانِ والجلدِ
والعيشُ أُماهُ أيام مداولة والخلق مابين مفقُودٍ ومفتَقَد
في ذمةِ اللهِ أشلاءً لنا هُتكت واللهُ أرحمُ من أمٍّ على ولد
دخل المغولُ الجُددَ بغداد، فأظهروا كيدَهم، ونفثُوا حقدهم، وهكذا الصليبيونَ إذا دخلُوا قريةً أفسدُوها، وجعلُوا أعزةَ أهلِها أذلة، واسألِ التأريخَ عن ماضيهم 0
معذرةً بغداد ـ فاليومَ نقفورٌ ولا هارُونَ يُعلمُهُ قدرُه 0
في زمنِ العزةِ والإباءِ كَتبَ هارُونُ الرشيد إلى نقفور ملك الروم، (( من هَارُونَ الرشيد أميرَ المُؤمنينَ إلى نقفور كلبَ الروم: بلغني كتابكَ يا ابن الفاعلة، والجوابُ ما تراه لا ما تسمعهُ ) )فكانتِ النتيجةُ عزةً ونصرا 0
واليومُ ينطقُ حفيدُ كلبِ الرومِ بلسانِ الحالِ قائلاً: (( يا هارونُ ، لقد عزمنا ومنذُ مئاتِ السنينِ أن نَرُدَّ الدَّينَ الذي علينا لك، ولقد فعلناهُ واستحللنا عاصمةَ الخلافةِ الإسلامية، ودخلنها رٌغمَ أُنُوفِ العالمين، لم نكن لنفعلَهُ يا هارونُ لو كانَ أبناءُ الإسلامِ فيهم ذرةً من عزةٍ أو كرامةٍ أو غيرةٍ على محارمهم، أو حميةٍ على إخوانهم، ولكن فعَلناها بعدَ أن قضينا السنينَ والسنينَ ونحنُ نُحاولُ تحطيمَهُم ثقافياً وأخلاقياً، فليتكَ يا هارونُ رأيتَ أبناءَ الإسلامِ في الشوارعِ يرفعُونَ العلمَ الأمريكي.