فهرس الكتاب

الصفحة 8567 من 9994

اللهمَّ انفعنا بهدي القرآن، أقولُ ما تسمعونَ واستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروهُ إنَّهُ غفاراً.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ جعلَ الليلَ والنهارَ خلقةً لمن أرادَ أن يذَّكرَ أو أرادَ شُكوراً، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، يُحاسِبِ على النقيرِ والقطمير، وما يعزُبُ عن ربِّكَ من مِثقالِ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماء، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وسلم- وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين .

يا أخا الإيمان:

أما وقد عرفتَ قيمةَ المُحاسبةِ وحاجتُنا إليها، بل وغفلةُ الكثيرِ منَّا عن مُمَارسَتِها، فقد يَردُ السؤالُ وكيف تتمُ مُحاسبةُ النفس ؟ وما هي الأمورُ المعينةُ على هذهِ المحاسبة؟ ذكرَ أهلُ العلمِ: أنَّ المحاسبةَ الصادقةَ تعتمدُ على أمورٍ ثلاثةٍ هي:

-الاستنارةُ بنورِ الحكمةِ .

-وسوءُ الظنِّ بالنفسِ .

-وتمييزَ النعمةِ من النقمةِ، فكيف يتمُّ ذلك ؟

فأمَّا نورُ الحكمةِ فهو العلمُ الذي يُميز بهِ العبدُ بينَ الحقِّ والباطل، وكُلَّما كانَ حظُّ العبدِ من هذا النورِ أقوى كانَ حظُّهُّ من المُحاسبةِ أتمُّ وأكمل.

أما سُوءُ الظنِّ بالنفسِ فحتى لا يمنعُ ذلك من البحثِ والتنقيبِ عن المساوئِ والعيوب، ولأنَّ تزكيةَ النفسِ حاجبٌ عن مُحاسبتِها.

وأمَّا تمييزَ النعمةِ من النقمةِ، فلأنَّهُ كمٌ مُستدرجٌ بالنعم وهو لا يشعرُ، مفتونٍ بثناءِ الجُهَّالِ عليهِ، مغرورٌ بقضاءِ الله حوائجهُ وسترهُ عليه. (مدارج السالكين 1/188) .

وللهِ درُّ الإمامُ أحمد حينما بلغهُ أنَّ المسلمينَ في بلادِ الرومِ كانوا - وهم في

الغزو- إذا هدأ الليلُ رفعُوا أصواتهم بالدعاءِ له، وكانوا يرمُون المنجنيقَ باسمهِ حتى سقطَ رأسُ علجٍ مع درقته، فلمَّا بلغَ أحمدُ الخبرَ تغيّر وجُههُ وقال: ليتهُ لا يكونُ استدراجاً (السير 11/210) .

أيُّها المسلمون:

وممَّا يُعينُ على المُحَاسبةِ ما قالهُ ابنُ القيم- رحمه الله-: ومن أنفعِ المحاسبةِ أن يجلسَ الرجلُ عندما يريدُ النومَ ساعةَ يُحاسبُ فيها على ما خسِرَهُ وربحهُ في يومهِ، ثُمَّ يُجددُ لهُ توبةً نصوحةً بينهُ وبين الله، فينامُ على تلكَ التوبة، ويعزمُ على ألاَّ يُعاودَ الذنبَ إذا استيقظ، ويفعلُ هذا كلَّ ليلة، فإن ماتَ من ليلتهِ ماتَ على توبة، وإن استيقظَ استيقظَ مستقبلاً للعملِ مسرُوراً بتأخيرِ أجلِهِ حتى يستقبلَ ربَّهُ ويستدركُ ما فات . (الروح لابن القيم/79) .

ألا ما أحوَجَنَا إلى هذهِ الساعةِ من المُحَاسَبَة، وكم نغفلُ عنها، فهل نُمارِسُها قُبيلَ النومِ من الليلِ، والليلُ _ كما يُقالُ _ أخطرُ للخاطرِ وأجمعُ للفكر، (أدبُ الدنيا والدين) .

يا أخا الإسلام:

حاسب نفسكَ على عملِ السيئاتِ، وهل استغفرتَ وكفَّرتَ عنها، وعلى عملِ الصالحاتِ؟ هل فرِحتَ بها، وسألتَ ربّكَ قُبولَها ؟ حاسب نفسَكَ على نوعِ الكلامِ الذي صدرَ مِنكَ، وفرِّق بين الكلمةِ الطيبةِ والكلمةِ الخبيثة، حاسب نفسكَ على مطعمكَ ومشرَبك، وكلُّ جَسدٍ نبتَ على سُحتٍ فالنارُ أولى به، وحاسب نفسكَ على العدلِ والإنصاف، والظُلمُ ظُلماتٌ يوم القيامة، حاسب نفسكَ على استثمارِ الوقتِ، والوقتُ أغلى ما نملكُ، والمغبُونُ من فرّطَ فيه، أو استخدمهُ فيما يُغضبُ الله.

والوقتُ أغلى ما عُنيتُ بحفظهِ وأراهُ أسهلُ ما عليكَ يضيعُ

حاسب نفسكَ على هُمُومِكَ، أهي للدنيا أم للآخرة؟ (( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ) ) (القصص:77) .

ما نصيبُ الإسلامُ من جُهدك ؟ وما حضُّ إخوانكَ المسلمينَ من اهتمامكَ ودعائِك؟ إلى غيرَ ذلكَ من ألوانِ المُحاسبةِ، وإيَّاكَ أن تكونَ من الغافلين، أو منَ الذين نسُوا اللهَ فأنساهم أنفسهم، إنَنَا بحاجةٍ للمحاسبةِ، فهيَ سبيلٌ للاستقامةِ، ومن تزكَّى فإنَّما يتزكى لنفسهِ.

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) [النساء:1] . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) [الأحزاب:70-71] .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد ، أيُّها الأخوةُ في الله:

فإنَّ من الثمراتِ المُرةِ للهزيمةِ النفسية، التي يتجرعُها المُسلمونَ مُنذُ عُصُورِ الاندحارِ والانحدار، حينَ بَدّلُوا وغيَروا، ونبذوا كتابَ اللهِ وراءَهُم ظِهريا، إنَّ من الثمراتِ المُرةِ، لتلكَ الهزيمةِ، ذلكَ الاستعدادَ المُفرط، لتقديمِ كلَّ التنازلاتِ عن القِيمِ والمبادئ، وذلكَ التراجعَ المهين، عن كلَّ الثوابتِ والخُصوصيات، في سبيلِ إرضاءِ الآخرين، ومنحِهم كلِّ ما يشتَهُونَ باسمِ المَدنِيَةِ والحضارة، واللحاقِ بالركبِ الفائت، حتى لو كانَ اللحاقُ به، يعني فُقدانَ كلَّ شيءٍ وخسارةَ كُلَّ شيء، والاستخفافَ بكلِّ شيء، وشَيءٌ أدلَّ على ذلكَ ممَّا تُبذِلهُ دولٌ إسلاميةٌ عديدة، من جُهودٍ ضخمة، ومساعٍ حثيثة، لتطويرِ ما يُسمى بصناعةِ السياحةِ، ومحاولةِ جَذبِ أكبرَ عددٍ مُمكنٍ من السُيَاح الأجانب، بغضِّ النظرِ عن ديانتهِم ومعتقداتِهم، فضلاً عن أخلاقهمِ وسلوكياتِهم، والسباقُ لا يزالُ على أشدهِ، والتنافسُ ما أنفكَ يلتهبُ حماساً، لتحقيقِ أعلى الأرقامِ لأعدادِ الليالي الفُندقيةِ التي يقضِيها السُياحُ في حُجرِ الفنادق، والمُنتجعاتِ الخاصة !!

ونشطت نتيجةً لذلكَ دوائرُ السياحةِ في البلادِ المذكورةِ، في الترويحِ لأماكنِ الجَذبِ السياحي، عبرَ حملاتٍ دَعَائيةٍ ضخمة، مُصاحبةً بصورٍ ومناظرَ التُقطت بعناية، لمشاهدَ وثنية، ومزاراتٍ شركية، وأضرِحَةٍ وقبور، وبقايا العُصورِ والدُهُور، واجتهد القَائِمون على ذلكَ الإسفافِ المُهين، في تقديمِ كلِّ ما يهواهُ الآخرون، دُونَ أدنى نظرٍ لحلالٍ أو حرام، أو جائزٍ أو مكروه، فالمهمُ هُو إرضاءُ ذلكَ السائح، وإشباعُ فضولهِ، واستجداؤهُ بأن يكررَ الزيارةَ كلَّ عام، ووصلَ الأمرُ أن أصبحَ ضمنَ البرامجَ السياحية، ترتيبَ زياراتٍ على مدارِ الساعة، لزيارةِ المَساجِدِ والجوامعِ الشهيرة، والتقاطَ الصُورِ التذكاريةِ داخلَ أسوارها، وتحتَ منابِرِها في استخفافٍ مُهين، لقدسيةِ تلك البقاع، واستفزازٍ همجيٍ لشعورِ كلِّ مُسلم أبيّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت