فهرس الكتاب

الصفحة 9182 من 9994

فيا أيها المؤمنون قال الله تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً? (19) فقد جعل الله تعالى الليل والنهار يتعاقبان فيخلف كل واحد منهما الآخر لمن أراد أن يذكر أي يستدرك مافاته من عمل هذا مع كثرة تكرر هذا التعاقب وقرب زمانه فكيف أيها الإخوان بتعاقب الشهور وتوالي السنين أليس ذلك مدعاة للتذكر والتفكر والاستدراك بلى والله فهذه دعوة لنا جميعاً أن نتوب إلى الله تعالى ونستدرك ما فات فإنما الأعمال بالخواتيم

فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حسرة وتندما

وتستقبل العام الجديد بتوبة لعلك أن تمحو بها ما تقدما

أيها المؤمنون أنتم في شهر عظيم شرفه الله تعالى وخصه دون سائر الشهور بأن أضافه إليه فاحفظوا حرمة هذا الشهر فإنه من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: ?مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ? (20) . فبادروا عباد الله بالأعمال الصالحة فيه لاسيما الصيام فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم ) ) (21) .

شهر الحرام مبارك ميمون والصوم فيه مضاعف مسنون

فأكثروا فيه من الصوم فإن ضعفتم عن ذلك فلا يفوتنكم صيام يوم عاشوراء أي يوم العاشر منه فإن فضيلته عظيمة وحرمته قديمة وكان النبي r يداوم ويتحرى صيامه فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: (( ما رأيت النبي r يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان ) ) (22) رواه الشيخان. وكان r يحث عليه ويأمر به فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي r: سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: (( يكفر السنة الماضية ) ) (23) . وأما سبب صومه فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله r المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه فقال: (( أنا أحق بموسى منكم فصامه r وأمر بصيامه ) ) (24) رواه البخاري ومسلم. فهذا يوم أعز الله فيه أولياءه وأحبابه وأذل أعداءه وأعداء رسله فلذا نحن نصومه شكراً لله تعالى على ذلك فنصر موسى عليه السلام هو نصر لنا أمة الإسلام قال الله تعالى: ?إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ? (25) . فمن قال: لا إله إلا الله وقام بتوحيد الله وصدق رسله ودعا إليه فهو منا ونحن منه مهما تباعد الزمان ونأى المكان ?وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ? (26) .

وبإحياء ذكرى ذلك النصر المجيد على ذلك الطاغية الكبير نعلن أن الدعوات لا تهزم بالأذى والحرب والاضطهاد فإن عاقبة الظلم وخيمة والله ناصر دينه وكتابه وأوليائه

تالله ماالدعوات تهزم بالأذى أبداً وفي التاريخ بَرُّ يميني

أيها المؤمنون إن من المعالم البارزة في شريعتكم مخالفة أعداء الله تعالى وعدم التشبه بهم لذا فإن النبي r حرص على مخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار في دقيق الأمر وجليله ومن ذلك صيام عاشوراء فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله r يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: فإذا كان العام القابل إن شاء الله صمت اليوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله r رواه مسلم، فصوموا أيها المؤمنون اليوم العاشر من هذا الشهر وصوموا اليوم التاسع كما هم نبيكم r أن يفعل ذلك.

واعلموا أيها الإخوة أن يوم عاشوراء هذا العام عام ستة عشر وأربعمئة وألف هو يوم الجمعة من الأسبوع القادم ما لم يصدر إعلان بخلاف ذلك إذ إن الأصل في الشهر التمام ما لم يشهد أحد بنقصانه وأما الذي في التقويم فهو مبني على أن شهر ذي القعدة من العام الماضي لم يتم وقد صدر ما عُلم من أن الشهر تام.

(1) النساء: 131.

(2) الإسراء: 12.

(3) يونس: 5.

(4) البقرة: 189.

(5) الحج: 78.

(6) المائدة: 6.

(7) البقرة: 185.

(8) البقرة: 189.

(9) أخرجه البخاري في الصوم برقم 1913 وأخرجه مسلم في الصيام برقم 1080.

(10) أخرجه البخاري في الصوم من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه برقم 1907 وأخرجه مسلم في الصيام برقم 1080.

(11) اقتضاء الصراط 1/474.

(12) التوبة: 108.

(13) المائدة: 48.

(14) الأحزاب: 1.

(15) أخرجه أبو داود في اللباس من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه برقم 4031 وأخرجه أحمد برقم 5094.

(16) أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم 2695.

(17) اقتضاء الصراط 1/464.

(18) المائدة: 51.

(19) الفرقان: 62.

(20) التوبة: 36.

(21) أخرجه ابن ماجه في الصيام برقم 1742.

(22) أخرجه البخاري في الصوم برقم 2006 وأخرجه مسلم في الصيام 1132.

(23) أخرجه مسلم في الصيام برقم 1162.

(24) أخرجه البخاري في الصوم برقم 2004 وأخرجه مسلم في الصيام برقم 1130.

(25) الأنبياء: 92.

(26) المؤمنون: 52.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فأوصيكم أيها المؤمنون بتقوى الله تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? (1) .

فاتقوا الله عباد الله واشكروه على أن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه، واعلموا عباد الله أن من أجل نعم الله عليكم أن جعلكم من أمة الإسلام ومن أتباع خير الأنام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذل و الصغار على من خالف أمره، فهو خليل الرحمن وسيد الأنام، صاحب المقام المحمود، والكوثر والحوض المورود، فنعمة الله عليكم به يا عباد الله أجل النعم، وأعظمها رحمةً وفضلاً، فلله الحمد على ذلك كثيراً كثيراً.

عباد الله أيها المؤمنون إن الله تعالى قد اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم النبي الأمي وخصه بخصائص عديدة، وفضائل كثيرة، فاق بها الأولين والآخرين ?اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ? (2) فمن خصائصه العظيمة، وآياته المبينة، خبر الإسراء به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أولاً ثم العروج به إلى السماء ثانياً، تلك الرحلة العجيبة، والآية العظيمة الباهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت