فهرس الكتاب

الصفحة 5291 من 9994

#سورة المدثر2

إعداد/ د. عبد العظيم بدوي

الحلقة الثانية

قال تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر [المدثر: 11- 30]

جاء في سبب نزول هذه الآيات: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لِمَ ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما فِبَلَه. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغُ قومك أنك منكرٌ له، أو أنك كارهٌ له. قال: وماذا أقول، فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزٍ ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبهُ الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقولُ حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مُغْدِقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه يحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فَدَعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحرٌ يؤثر، يأثرُه عن غيره، فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدا.

[صحيح: رواه الحاكم 2/507، والبيهقي 1/556]

أي: خلَ بيني يا محمد وبين هذا المخلوق الضعيف، الذي أخرجته من بطن أمه وحيدًا، ليس معه شيءٌ مما يعتز به الآن، وجعلت له مالا ممدودا أي: واسعًا كثيرًا، وبنين شهودا قال المفسرون: أعطاه عشرة من الذكور، ولم يكن بحاجة إلى عملهم لكثرة ماله، فأقعدهم عنده يستأنس بهم، وضارب العمال بماله، فكان العمال يعملون له، ويأتون بكسبه، وأولاده عند رأسه لا يفارقونه، وهذه نعمٌ عظيمة، إلا أنه كفرها.

وقوله تعالى: ومهدت له تمهيدا أي يسرت له الحياة، ومكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ثم يطمع أن أزيد وهو لَمْ يعمل بموجب الزيادة، إن اللَّه تعالى أنعم على عباده نعمًا لا تعدّ ولا تُحصى، وأرشدهم إلى سبيل الزيادة من هذه النعم، فقال سبحانه: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم:7] .

وهذا الملعون كفر بأنعم اللَّه، ثم يطمع أن يزيده اللَّه، قال تعالى: «كلاّ» وهي كلمةُ زجرٍ وردعٍ، «كلاّ» لن أزيده، وكيف أزيده مع إنه كان لآياتنا عنيدا، فقد كفر بآيات اللَّه بعد إذ جاءته، وكذب بما علم أنه الحق فعاند دلائل الحقّ وموجبات الإيمان، ووقف في وجه الدعوة وحارب رسولها، وصدّ عنها نفسه وغيره، وأطلق حواليها الأضاليل.

وهكذا الكفار دائمًا، لا يحملهم على الكفر إلا البغي والحسد والعناد، كما قال تعالى عن فرعون وملئه فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 13، 14] .

ولذا قال موسى عليه السلام لفرعون: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا [الإسراء:102] .

وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33] .

وبعد هذا الردع يأتي الوعيد الشديد، الذي يبدل اليسر عسرًا، والتمهيد مشقة: سأرهقه صعودا أي سأتعبه بما أكلفه به من صعود جبل في جهنم، والصعود في طرقات الدنيا شاقّ، فكيف بصعود جبلٍ في جهنم، لا خبرة للإنسان في صعوده، وإنما يُدفع إليه دفعًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت