فهرس الكتاب

الصفحة 8467 من 9994

إن قيم الإسلام الأساسية، وأصوله الثابتة ليست مجالاً للمزايدة والتطوير .. ولكن الوسائل التي تُبلغ بها هذه الثوابت قابلةُ للتجديد _ حسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان _ وما لم يُمس أصلُ من أصول الإسلام . فالتحدي قائمٌ في تطوير الأداءِ .. وتجديد ما عتق من الوسائل ، وإذا كنا نرفض منهج الذين يزعمون الإصلاح ويرون أن كلَّ شيء قابلٌ للتجديد _ حتى وإن خالف نصوص الوحيين _ فنحن كذلك نرفض منهج الجمود على القديم حتى وإن كان تحديثاً في الوسائل وتطويراً في الأداء ، ومسايرةً للواقع بما لا يُعارض ثابتاًً في الدين أو نصاً من نصوص الشريعة .

إن الجمودَ وعدمَ معرفة فقه الواقع معوق عن المبادرات الخيرة وإن الجهل بتاريخ الأمم وتجاربهم معوق عن التجديد والمبادرة .

ومعرفةُ هذه التجاربِ وتقويمها والإفادةُ من الصالح منها سبيل ومعينُ على المبادرات النافعة ..

إن من يستقرأ تاريخ المسلمين _ في عصور العزة والتمكين يرى أن هؤلاء تمكنوا من الإفادة من تجارب من سبقهم ، لكنهم احتفظوا بأصالتهم وعزتهم ، فاستفادوا من النظم ، ولم يخضعوا أو يذلوا أو يضعفوا أمام أصحاب هذه النظم إلا حينما ضعفت الأمة ووقع الخلل في رجالها

نعم نحن أمةُ لا ترفض الاستفادة من تجارب وحضارة الأمم الأخرى ، ولكنها تأبى على الذوبان والتأثر ، وكلما كانت الأمة قويةً كلما كانت كذلك ، وأمامنا في التاريخ تجربتان حريتان بالتأمل والدراسة ، كانت الأولى في زمن النبوة والخلافة الراشدة ، حيث حُفر الخندق ودُونت الدواوين ، وبقيت الأمة محافظةً على سمتها متميزةً في منهجها ، مستفيدةً من تجارب غيرها .

ثم كانت التجربة الثانية في زمن المأمون العباسي حيث حركة الترجمة ونقلُ علوم الآخرين .. وحين لم تكن الأمةُ على مستوى التحدي فقد أصابت هذه التجربة الأمة بلوثاتِ فكرية وانحرافاتٍ سلوكية حيث بزغ فجرُ الكلام ، ونجم التشيعُ والاعتزال ، واتسع نطاقُ أهل الأهواء ، ونشأ للناس _ كما يقول الذهبي _ علمٌ جديدٌ مردٍ مهلك لا يُلائم علمُ النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين ، وكانت الأمة في عافية منه .. وامتحن الناس على دينهم .. ( تذكرة الحفاظ 1 / 328 ) .

واليوم يعيش المسلمون مأزقاً صعباً ، حيث يُريد لهم أعداؤهم أن يصلحوا أوضاعهم لكن على منهج لا يستقم مع إسلامهم .. ويُراد لهم أن يتحضروا ولكن الثمن فقدُ هويتهم ، ويُراد لهم أن يغيروا نمط حياتهم ولكن البديل نمطٌ وسلوكياتُ أعدائهم .. إنه تحدٍ لا بد أن ندرك مخاطره وهو يسير باتجاه العولمة الغازية .. ويهيء السبيل لاستعمار العقول والأفكار بعد استعمار البلاد ونهب الثروات ..

ليس يُهم أن يُفرض الإصلاح من الخارج أو من الداخل ، ولكن المهمَّ هو مدى قُرب هذا الإصلاح أو بُعده من شريعة الإسلام .. وليس يعنينا أن يتم التغييرُ في حياتنا على يد (جورج) أو باسم (عبد الله ومحمد) ولكن الذي يعنينا ألا تستهدف القِيمُ بالتغيير .. وألا يُتعرض للثوابت بالنقض والإبرام وأن يصير المنكرُ معروفاً ، والباطل حقاً _ فذلك فهم منكوس للإصلاح ...

إن رياحاً عاتيةً تهبُ على منطقتنا .. بل وعلى عالمنا الإسلامي ولم يعد خافياً أن ثمة مخططاتٍ تطبخ في دهاليز الغرب ويُراد لها أن تطبق على دولنا ومجتمعاتنا .. بل عادت قضايانا مجالاً لمزايدةِ الناخبين في الغرب ، ولم يخفِ الساسة هناك تعاطفهم مع الصهاينة لأن هذا التعاطف مؤثر على أصوات الناخبين ، وسواء كان المرشح يهودياً صرفاً أو متهوداً ..

وبإزاء هذه الأوضاع المتردية والتحالفات المريبة ، والمخططات الظاهرة والخفية ، على المسلمين أن يدركوا حجم الخطر وأن يستعدوا لهذه النوازل وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتشاوروا في أمرهم ، وأن لا تكون الشُقة بين الحاكم والمحكوم والعالم والعامي ، وأن يحذروا من يعيشون بين أظهرهم وهواهم مع أسيادهم .

وإذ1 كان الهجوم على المسلمين كاسحاً .. فنصيب أهل السنة منه كبير .. وقد أحاطت بهم المخاطر من كل صوب ، وهم مستهدفون من أكثر من عدو .. وعليهم أن يستعينوا بالله وحده فهو فارج الكربات .. وعليهم أن يُراجعوا أنفسهم ، فما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم .

وعليهم أن يركنوا إلى الله فهو ركن شديد وأن يبادروا بالأعمال الصالحة ، وأن يفكروا على الدوام بالمبادرات النافعة فالماء يئسن إذا ركد، والقافلة تسير ، وعالمُ اليوم يُقدر الأقوياء ويسحق الضعفاء ، وإذا كان الإسلام قوياً في نظمه وتشريعاته فعلى المسلمين أن يكونوا على مستوى إسلامهم ، وألا يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا* قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) ) (الكهف:1-5)

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بعثه الله شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً . اللهم صَلِ وسَلِّم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .

أمَّا بعدُ:

فيا أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله وذلك بفعل ما به أمر وترك ما عنه حَذّر ، وعليكم بتبر كتاب ربكم ففيه أحكامُ شرعكم ، ومكارمُ أخلاقكم ومحاسنُ أعمالكم وفيه موعظتكم ، وشرفكُم وعزكم . قال الله سبحانه: (( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ) (الانبياء:10) وقال: (( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) ) (الزخرف:44) .

وحينما أعرض المسلمون عن هذا الكتاب الكريم ، والشرف العظيم ، أصيبوا بالذل والتشرُّد ، والفرقة والتمزق ، لقد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم إلا من رحم الله ، فالقرآن يشكوا من هجر تلاوته وتدبره ، ومعرفة أحكامه والعمل به (( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ) (الفرقان:30) .

هنا وقفاتُ تأملٍ في هذا الكتاب العزيز ومع سورةٍ عظيمةٍ من سُوره ، هي من أوئل السور نزولاً ، تلاها رجلٌ من الصحابة فنزلت الملائكة من أجل ذلك ، سورةٌ أنفردت بعدد من القصص العجيبة ، حوت من الفِكَر ، وعظيم الخبر ما فيه عبرةٌ لمن اعتبر ، هذه السورةُ يقرأُها المسلمون في كل جمعة تلكم هي سورة الكهف التي تميّزت بأمور منها:

أنها من أوائلِ ما نزل بمكة قبلَ الهجرة . قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( سورة الإسراء والكهف ومريمَ إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي ) )يريد رضي الله عنه: أنها من السور التي نزلت بمكة وأنها من أول ما تعلمه من القرآن .

ومن خصائص هذه السورة أنه يستحب أن تقرأ في يوم الجمعة لما أخرجه الحاكم والبيهقي عنه r: (( من قرأ سورة الكهف يومَ الجمعة سطع له نورٌ من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ) ) [ قال المعلق على زاد المعاد 1/377 حديث صحيح ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت