وفي فترة وجيزة من الزمن تغيرت الحياة في الجزيرة .. وبدأ العدُّ التنازلي للأمم المسيطرةِ حينها .. ولم يمت رسول الله r حتى أرسل سرية (مؤتة) إلى أرض الروم .. وبلغت دعوته كِسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وهرقل .. ومن يدينُ بدينهم أو يتبعُ لسلطانِهم .. ثم كان صحابته رضوان الله عليه من بعده (مسارعين ومبادرين ) وكان حركة الفتح الإسلامي وأعدادُ الداخلين في الإسلام شاهداً حياً على هذه المبادرة .
وهكذا استمر المسلمون بعدهم يدعون ويُعلمون ويُسيَّرون الجيوش حتى بلغ الإسلامُ شأوا بعيداً ، ودخل العربُ والعجمُ في دين الله أفواجاً .
إن المتأمل في مبادرات المسلمين يرى أنها لم تكن قصراً على القادة بل شملت القاعدة ، ولم تكن خاصةً بالكبار بل شارك فيها الشباب ، ولم يتخل الضعفاء المعذورون بل شاركوا الأقوياء .. وكان للمرأة نصيبُها من المبادرة ولم تكن قصراً على الرجال ، وإن مجتمعاً يُشارك جميع أفراده بالمبادرات الخيرة لمجتمعٌ خليق بالتقدير والبقاء .. ودونكم هذه النماذج للمبادرات .
فأبو بكر صِّديقُ الأمة ، وصاحبُ المبادرات في كل ميدان في الصدقة والجهاد ، والصوم والصلاة ، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله r يقول: (( من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خيرٌ ، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقةِ دُعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهلِ الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة وقال: هل يُدعى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله ؟ قال: نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر ) ) ( الصحيح ح 3666 ، الفتح 7 /19) .
إنها مبادرةٌ وطموح ، وهمَّةٌ عالية تدعو أبا بكر للتفكير في الإسهام في مجالات الخير كلَّها ، وإنما تجتمع أعمالُ البرِّ وأنواع المبادرات في عظائم الرجال كأبي بكر الصديق رضي الله عنه .
وفي صحيح البخاري ( كذلك ) قال النبي r: (( من يحْفرُ بئر رُومة فله الجنة ) )فحفرها عثمان رضي الله عنه ، وقال: (( من جهَّز جيش العسرة فله الجنة ) )فجهزه عثمان رضي الله عنه ( الفتح 7 / 52 )
أجل لقد ورد أن عثمان رضي الله عنه اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم فجعلها للمسلمين ، وأن عثمان رضي الله عنه جهز المسلمين بثلاثمائة بعير وفي رواية أنه جاء بألف دينار في ثوبه فصبَّها في حجر النبي r حين جهز جيش العسرة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما على عثمان مِن عملٍ بعد اليوم ) ) ( الفتح 7 / 408 ) أو (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ).
للهِ درك يا عثمان وكذلك فالتكن المبادرات في خدمة الإسلام والمسلمين .
على أن المبادرات لا ترتبط بالغنى والجاه ، وليست قصراً على الأكابر والمشهورين ، بل يصنعها الشباب وإن كان شهرتهم أقلَّ من غيرهم .. ودونكم هذه المبادرة الطموحة .. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقفٌ يوم بدر في الصف ، فنظراتُ عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثةٍ أسنانهما فتمنيتُ أن أكون بين أضلعَ منهما (أقوى) فغمزني أحُدهما فقال يا عمَّ أتعرفُ أبا جهل ؟ فقلتُ: نعم ، وما حاجُتك إليه ؟ قال: أُخبرتُ أنه يسبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموتُ الأعجلُ منا ، فتعجبتُ لذلك ، فغمزني الآخرُ فقال لي أيضاً مثلها ، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ وهو يجول في الناس ، فقلت ألا تريان ؟ هذا صاحُبكم الذي تسألان عنه ، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه .. الحديث (البداية والنهاية 3 / 316) .
تأملوا في همِّة هذين الشابين وطموحهما ونجاحتهما في مبادرتهما ، وإذا كانت تلك همة شباب هذا الجيل وغلمانهم فلا تسأل عمن فوقهم .
ويكفيك أن تعلم أن من هِمم أصحاب الأعذار وأولي الضرر ما يكشف عن مبادرات القوم ... وهذا عمرو بن الجموح يُصرُّ على أن يطأ بعرجته الجنة فيستأذن الرسول r في الجهاد في ( أحد ) فيأذن له فيُقاتل ثم يكون في عداد الشهداء .
وابن أم مكتوم الأعمى يُصر على أن يحمل راية المسلمين غازياً معهم ويقول: ادفعوا إليَّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفرَّ وأقيموني بين الصفين ( سير أعلام النبلاء 1 / 364 ) .
وبقي أن تعلم من همم النساء ومبادراتهن أن منهن من أسلمت في ظروف المحنة والشدة بمكة ، وثبتت على إسلامها ،بل هاجرت إلى المدينة ولم يستطع أهلُها أن يردوها كما صنعت أمُّ كلثوم بنتُ عقبة بن معيط رضي الله عنها وفيها وأمثالها نزل قول الله تعالى: (( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) ) (سورة الممتحنة / 10) ( سير أعلام النبلاء 2 / 276 ) .
ومنهن من تطلعت إلى الجهاد على ثبج البحر فاستشهدت حيث طلبت كأمِّ حرام حين غزت مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنهما فصرعتها دابتُها فدقت عنقها وذلك في غزوة قبرص زمن عثمان رضي الله عنه ( سير أعلام النبلاء 2 / 316 ) .
وكانت من قبل قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدثها عن قوم يركبون البحر غُزاةً في سبيل الله ادع الله أن يجعلني منهم ، قال (( أنت من الأولين ) )فكانت منهم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا ) ) (سورة البقرة / 148) .
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان لا حصر لمبادرات المسلمين على امتدادِ تاريخهم حتى أصبحت هذه المبادراتُ سمةً لهم ولأجيالهم وما عادت المبادراتُ في زمن أسلافنا مبادرات فردية بل كانت صفةً لازمةً للمجتمع والأمة ، ولذا برزَ العلماءُ في شتى الفنون واشتهر عددُ من قادة الجهاد ولمعت أسماءُ لا تُحصى في الفتوح والثغور، وكثر العُبَّادُ والزهاد ، وانتشر المحتسبون والوعاظ ، وكان المنفقون والمحسنون، ورحل الدعاةُ على كل صقع يحتاج إلى الدعوة والبيان، وكان عزُّ الإسلام هماً للصغير و الكبير والذكر والأنثى والأمير والمأمور .
وإلى زماننا هذا ولا يزال في الأمة خير كثير ، ورغم الحصار والتضييق فلا تزال المبادرات تترى ، وكلما خُيل للأعداءِ أنهم ضيقوا الخناق على الإسلام والمسلمين وإذا بخالقهم يجعل لهم من الضيق مخرجاً ومن المِحن منحا
إلا أن ثمة نفراً من المسلمين خُيل لهم أن فُرص الخير تقلَّصت وأن مساحة المبادرات قلّت وخوفهم الشيطان من مكرِ الأعداء ، وأوهمهم أن الجولة لغيرِهم ، واللهُ يقول: (( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (سورة آل عمران/ 175) .
وآخرون من المسلمين ظنوا أنهم يكفيهم أن يعيشوا على مبادرات سلفت لغيرهم ، ونسي هؤلاء أن الزمان يتجدد ، وأن الجديدَ يعتق ، وأن الدعوة تحتاجُ على الدوام إلى متابعةٍ وتجديد ، وأن المبادرات إلى الخيرات لم تتوقف في التاريخ ولا ينبغي أن تتوقف .