الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
مقارنات في الاختبارات ؛ لأن طلابنا يبدءون غداً في الاختبارات ، وهي اختبارات عندنا مهمة ، ولها من الاستعداد والإعداد والتهيؤ ما لها .
غير أن أمتنا تمر باختبارات أكبر وأصعب ، دون أن يكون هناك ما يكافئ هذه الاختبارات من الاستعدادات .
ولعلنا نعرف ما ذكرته مراراً وتكراراً من أن القضية الأولى والمسألة الأعظم والاختبار الأصعب الذي تمتحن فيه الأمة في إيمانها وعقيدتها ، وفي سيادتها وإرادتها ، وفي مبادئها وأخلاقها وحضارتها.
هو الاختبار على أرض فلسطين وفي قضية الأقصى .
وها هنا وقفات سريعة ، ننظر فيها بين اختبارات طلابنا واختبارات أمتنا:
أولاً: التهيئة والاستعداد
في اختبارات الطلاب تهيئة أسرية يعنى بها الآباء والأمهات يهيئون الأجواء ويوفرون أسباب الراحة ، ويقدمون الخدمات ، ويخففون التبعات والمسؤوليات على الأبناء والبنات ؛ فإن سألتهم: ما لكم ؟
قالوا: إنه موسم الاختبارات .
ونجد كذلك استعداداً اجتماعياً فالمجتمع كله يراعي ذلك ، فلا ترى المناسبات ولا المباريات ولا المشاركات المعتادة في سائر الأوقات فإن سألت: لماذا ؟
قالوا: لأنه موسم الاختبارات.
ترى أيضاً تهيئة واستعداداً إعلامياً فلا ترى كثيراً من البرامج واللهو والترفيه المعتاد ، بل تجد الدروس والتذكير والندوات والمساءلات في قضية الاختبارات.
وترى كذلك تهيئة واستعداداً نفسياً: كل هذه العوامل توطد في نفوس الطلاب أن يثقوا بأنفسهم ، ألا يتهيبوا تلك الاختبارات ، أن يقووا عزائمهم ، أن يعلوا هممهم ، أن يوطنوا أنفسهم على أن يبذلوا الجهد ويواصلوا المسير حتى يجنوا النتائج والثمار .
كلنا يدرك هذه الأجواء ويعرفها.
فكيف والأمة في اختبارها الصعب ؟ ومرحلتها المريرة التي تستهدف وجودها وإيمانها والتي تعادي مناهجها وأخلاقها والتي تريد اجتثاث جذورها وأصولها ؟
هل ترون الأسر تستعد بمثل هذا الاستعداد ؟
أم أننا نرى غير ذلك ، أسر مضيعة لمهمات التربية وآباء مهملون لصناعة الأجيال وأمهات متخليات عن صناعة صانعات الأجيال .
كم نرى في المجتمع كذلك من مجتمعات منشغلة وراء لقمة العيش أو الكدح في هذه الدنيا ؟
أو منشغلة بأمور عارضة واهتمامات دنيا فتلك هي مواسم ومسابقات الرياضات ، وتلك هي مهرجانات الفنون والأفلام والتمثيليات ، وتلك هي وسائل الإعلام التي تصمّ الآذان وتفجع العيون وتدمي القلوب وتحزن النفوس بكل لهو رخيص وتفاهة مغرية وسخافة مضللة عن معالي الأمور ومهامها.
فهل أمتنا تستعد للاختبارات العصيبة بمثل تلك الاهتمامات الهزيلة ؟
إنها وقفات ومقارنات لا أحتاج فيها إلى كثير من التعليقات ، ولكنها تحتاج منا جميعاً إلى كثير من التأملات والمراجعات والتقويم والتصحيحات .
ليس على المسار العام الذي دائماً ما نلقي عليه بالتبعات بل على مسارنا الخاص ، وعلى تكويننا النفسي والقلبي ، وعلى أدائنا الأسري والتربوي ، وعلى معايشتنا الحياتية والمادية فضلاً عن طموحاتنا وآمالنا ، فضلاً قبل ذلك كله عن إيماننا واعتقادنا ومبادئنا وأخلاقنا.
كيف نخوض خضم هذه العولمة الجارفة التي يراد بها تغيير الثقافة والأخلاق والفكر ونحن لا نهيئ شيئاً لتلك المواجهة ولا للاختبارات العصيبة الرهيبة ؟ .
فهل هذا إنصاف؟ وهل هذا معقول؟
ونحن ندرك أن هذه الأمة هي الأمة التي اصطفاها الله - عز وجل - واختارها لتؤدي أعظم دور وتقوم بأجلى وأسنى وأبقى وأعظم رسالة في هذه الوجود:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه } [ آل عمران: من الآية110 ] .
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [ البقرة: من الآية143 ] .
وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ) .
ثانياً: الجد والاجتهاد
صورة حيّة واقعية في اختبارات طلابنا الوقت مستغرق في الاختبارات والجهد مبذول فيها والفكر منشغل بها والإمكانيات مسخرة لأجلها ، وكل شيء في هذه الأوقات عند الطلاب منصب في هذا الهدف فإن قلت: لماذا ؟ قالوا: لأهميته.
وإن قلت: لم هذه الجهود المضنية وسهر الليالي وإنحال الجسم وترك الراحة؟
قالوا: لأنها معمعة يوشك بعدها أن نخرج إلى النجاح والتقدم والاطراد.
ونحن نريد نصراً مؤزراً وعزاً مؤفلاً ومجداً فاخراً .
وأمتنا تنشد تاريخها وتستدعي مآثرها دون بذل جد ولا جهد ولا اجتهاد دون أن تسخر لذلك الإمكانيات .. دون أن تنفق فيه الأموال .. دون أن تسهر فيه الليالي .. دون أن تتضافر فيه كل الجهود وأن تجتمع كل الحشود .
لكي تتجاوز المرحلة العصيبة والفترة القاتمة من تاريخ أمتنا ومن المواجهات الصعبة التي تتحداها.