قال الذهبي هذا والله هو الزهد الخالص لا زهدُ من كان فقيراً معدماً (1/ 17) .
أبو عبيدة زهد في الدنيا مع قدرته عليها، واكتفى بالقليل مع توفر الكثير ... لماذا ؟
لأنه كان يتطلع إلى نعيم الآخرة، وكما بكى عمر لحياة أبي عبيدة فقد أبكته وفاته لا سيما وقد كتب إليه حين كان الطاعون بالشام ليقدم عليه ، وقال له، يا أبا عبيدة إنه قد عرضت لي حاجةً ولا غنى بي عنك فيها فعجّل إلي، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال عرفت حاجة أمير المؤمنين ، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق ثم كتب إليه يقول يا أمير المؤمنين إني عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك فإني في جٌنْدٍ من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى .. فقيل له: مات أبو عبيدة ؟ قال لا وكأن قد )) .
أخرجه الحاكم ووثق رواته وقال الذهبي في المختصر هو على شرط البخاري ومسلم 3 / 263، (انظر سير أعلام النبلاء 1/18/19) .
إخوة الإسلام وثمة أمور تعين على التوازن بين طلب الدنيا والسعي للآخرة ويحفظ الله الإنسان بها من الفتنة بالدنيا-واذّكر نفسي وإياكم بشيء منها:
* وأنت تسعى للدنيا ضع الآخرة دائماً نصب عينيك، فالدنيا متاع الغرور والآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون- وإذا كانت الدنيا صفواً وكدراً وسروراً أو حزناً فالآخرة صفوً بلا كدر وسرورً والله يذهب الحزن.
* إياك أن تتجاوز الحلال إلى الحرام، فإذا كنت ستحاسب على الحلال فما ظنك بالحساب على الحرام، وكن على يقين أنه لن يأتيك إلا ما كتب الله لك فقد كتب رزقك وأجلك وأنت في بطن أمك، وذّكر نفسك أن الحلال وإن قلّ فيه بركة ولذة وإن الحرام وإن كثر فيه سحت ونكدٍ ومذلة.
* تذكر هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ما لفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها فتهلككم ) ).
الحديث وكم للدنيا من صرعى فإياك أن تهلك في أحد أوديتها .
* اجعل من نفسك على نفسك رقيباً، وازن بين طلب الدنيا والسعي للآخرة ، وأعطي كلاً بما يستحق، وذكرَّّّّ نفسك بالحكمة من خلقك: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (الذاريات:56) .
والرزق مضمون: (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) ) (الذاريات: 58) .
واجعل سعيك للدنيا عبادةً تتقرب بها إلى الله وفق ما شرع وبالقدر الذي أُمر .
* احمل نفسك على أوراد ثابتة من الطاعات تصلك بخالقك وتهون عليك مصائب الدنيا وتطهر نفسك بها من الشح وتحفظها من الفتن ..وقل لنفسك: هذه فرائض الله لا خيار لك فيها ثم خذ بها للنوافل فهي مرقعات للواجبات ..
* اجعل لك ورداً يومياً من القرآن فهو هدى وشفاء ونور، ولا تشغل نفسك عن الأذكار فهي طمأنينة للقلوب، وأوراد الصباح والمساء حصون عن الشياطين بإذن الله واجعل لك في الشهر قدراً من الصيام فهو للنفس وجاء وهو للشهوات كاسرٍ وللخير واصل ولا تنس الدعاء فهو صلة بينك وبين الله يسهل الصعب ويكشف الكرب ويبارك في القليل .
* اجعل من مالك حظاً للسائل والمحروم ..صل ما أمر الله به أن يوصل وانفق وأنت واثق بالخلف من الله ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ، واعلم أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء وتذكر أن المال مال الله وأنت مؤتمن عليه وممتحن على أنفاقه كما أنت ممتحن على جمعه ولا يغب عن بالك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ويل للمكثرين إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ) ) (ابن ماجة بسند صحيح الجامع 6 / 113)
وفي القرآن وعدٌ وجزاء وتحذير ووعد ووعيد: (( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ) ) (الليل:5-11) .
* لا يغب عن بالك هادم اللذات وكفى بالموت واعظاً .. إلا أن الموت عارفٌ من جهله وخاطفٌ من أغفله ، وذاكرٌ من نسيه .. ومهما التفت الأغنياء فلن تسعفهم أموالهم عن الأجل المحدود ، ولا عن عذاب الله يوم الورود (( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) ) (الحاقة:28-29) وإلى عتبة المقابر ينفصل المال عن صاحبه إلا ما قدم ..
ويتبع الجنازة ثلاثة: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى العمل .. وكم من معذب بما جمع فاجعل من مالك سبباً لسعادتك في الدنيا ويوم تلقى الله وكلّ في ظل صدقته يوم القيامة .
* اعتبر بمن جمع فأوعى وكان للخير منوع، أُعطي الكثير فبخل بالقليل ألا وإن الدنيا وسيلة فلا تجعلها غاية، وهي مركب للنجاة فحذارٍ أن تركبنا فتوردنا المهالك، وليكن لكم أسوة بمن أعطى فشكر وتصدق وأحسن.
وخير البرية عرضت عليه الدنيا فرغب في الكفاف ومات ودرعه مرهون عند أحد اليهود، ألا وإن عيش محمد صلى الله عليه وسلم كفافاً ، وللآخرة خيرٌ وأبقى
اتقو الله يا عباد الله ولا تغرنكم الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور انظروا إلى الناجي فاسلكوا طريقه ..
وإياكم والهالكين واحذروا طرائقهم.
وإذا تفاوت الناس في التفاضل بالدنيا، فليعلم أن ثمةً تفاضلاً في الآخرة، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
أخا الإسلام.. هذه نصيحة أقدمها لك ، وهدية ملؤها المحبة والتقدير أهديها إليك ، فإن عدمت منك عذراً فلا تُعدمُ منك قبولاً ، وأرجو أن تسمعها مني سماع التائب ، الناظر لنفسه بعين الذنب والتقصير ، وأرجو أن تجعلها حديث نفس إلى النفس أو حديث الروح إلى الروح ،
حديث الروح للأرواح يسري وتدركه النفوس بلا عناء
واعلم أني أولُ ما أنصح بهذا الكلامِ نفسي المقصرة ثم هي لك فعلي غرمها ولك غنمها.
أخا الإسلام.. أما آن لك أن تتوب ، أما آن لك أن ترجع إلى خالقك ومولاك ، قل بلى قد آن ، ولم لا تتوب والله يدعوك للتوبة إليه مهما كانت ذنوبك ومعاصيك: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) (الزمر:53) .
يقول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) ) [1] .
ألا تعلم يا أخي أن الله تعالى يفرح بتوبتك إذا تبت إليه مع أنه الغني عنك ، والذي لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي ، نعم يفرح بتوبة عبده ، قال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: (( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"أخطأ من شدة الفرح ) ).
ولكن قد تقول: كيف أتوب من الذنوب والمعاصي وأنا لم أترك شيئاً مما يعصى به الله إلا فعلته ولا تركت ذنباً إلا وقد وقعت فيه، فالتوبة مني بعيدة.
قلت لك: لا يا أخي لا تقنط من رحمة الله ، ولا تيأس من روح الله ، واعلم أن باب التوبة ما زال مفتوحاً في طريقك فأقبل على مولاك وأسرع إلى رحمته ومغفرته قبل أن توافيك المنون