فأصر فرعون وقومه على الكفر بالله رب العالمين واستكبروا استكباراً فأغضبوا الله رب المشرق والمغرب رب العالمين فأوحى إلى موسى ?أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلاءِ? - أي موسى وقومه - ?لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ? أي جماعة قليلة ?وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (56) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ? (12) فعبأ فرعون ملك مصر جيشه وجهز جنده لملاحقة موسى ومن معه من المؤمنين فخرج فرعون وقومه من مصر أرض الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم لقتل موسى ومن معه بغياً وعدواً فأدركهم فرعون عند البحر ?قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ? (13) أي سيدركنا فرعون وقومه فقال موسى وقد وثق بوعد رب العالمين: ?كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ? (14) فجاءه الوحي من رب العالمين ?أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ? (15) أي كالجبل العظيم وسار موسى وقومه على ما فتح لهم في البحر من طرق وسلكوا ذاك الشق العظيم فلم يرتدع فرعون عن غيه بل مضى وسار بقومه فسلكوا هذا الطريق ولم يؤمنوا بالله رب العالمين رب موسى وهارون فلما توسطوا بين جبال الماء أطبق الله عليهم الماء فأغرقوا أجمعون ?فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ? (16) ?وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ? (17) بما كان يكفرون ?النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً? (18) إلى يوم يبعثون ?وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ? ?وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ? (19) ?وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ.وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ? (20) .
فلا إله إلا الله الملك الحق المبين ينصر عباده المؤمنين وينتقم من الظالمين المكذبين فالحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
الخطبة الثانية
أما بعد...
فيا أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى واعتبروا بمصارع الغابرين وحسن عواقب الصالحين فإن الله قص عليكم هذه القصص لعلكم تتفكرون وعن الشر تنزعون وعلى الطاعة تقبلون فاقصص القصص لعلهم يتفكرون .
عباد الله: إن نصر الله لأهل الحق آت لا محالة ولكن الله تعالى شرط لنصره شروطاً فقال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ? (21) وقال: ?والعصر (1) إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر? (22) .
أيها المؤمنون إن هذه أمتكم أمة واحدة فما ذكره الله من نصر رسله السابقين وأوليائه الصالحين هو نصر لأهل الإسلام في كل زمان ومكان ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم صام اليوم العاشر من محرم شكراً لله تعالى أن نصر موسى على فرعون فيه فإن النبي لما قدم إلى المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فقال صلى الله عليه وسلم: (( أمتي أحق بموسى منكم وأمر بصيامه ) ) (23) فصوموه أيها المؤمنون شكراً لله رب العالمين واتباعاً لسنة محمد خاتم النبيين وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء فقال صلى الله عليه وسلم: (( يكفر السنة الماضية ) ) (24) رواه مسلم. فصوموه أيها المؤمنون واحتسبوا الأجر فيه عند الله تعالى واعلموا أن من السنة أن يصام معه التاسع لقوله صلى الله عليه وسلم: (( فإن كان العام القابل إن شاء الله صمت اليوم التاسع ) ) (25) .
(1) سورة: يوسف: آية (111) .
(2) سورة: الدخان: آية (7) .
(3) سورة: الشعراء: آية (26) .
(4) سورة: الشعراء: آية (27) .
(5) سورة: الشعراء: آية: (28) .
(6) سورة: طه: آية: (50) .
(7) سورة: طه: آية (53-54) .
(8) سورة: الشعراء: آية (29) .
(9) سورة: الشورى: آية (30) .
(10) سورة: النمل: آية (13-14) .
(11) سورة: الأعراف: آية (132) .
(12) سورة: الشورى: آية (52 ـ56) .
(13) سورة: الشعراء: آية (61) .
(14) سورة: الشعراء: آية (62) .
(15) سورة: الشعراء: آية (63) .
(16) سورة: الدخان: آية (26) .
(17) سورة: غافر: آية (45) .
(18) سورة: غاغر: آية (46) .
(19) سورة: النحل: آية (118) .
(20) سورة: هود: آية (101 ـ 102) .
(21) سورة: محمد: آية (7) .
(22) سورة: العصر: آية (1-3) .
(23) أخرجه: ابن ماجه (1734) من طريق أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الألباني.
(24) مسلم (1162) .
(25) مسلم (1134) .
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-تذكير بنعم الله ونصره لعباده. 2- دعوة موسى لفرعون وجواره معه. 3- عجز فرعون عن المحاجة فهدد بالقوة. 4- خروج فرعون على اثر موسى وقومه. 5- نجاة موسى وغرق فرعون. 6- صيام عاشوراء وفضله.
الخطبة الأولى