فهرس الكتاب

الصفحة 8618 من 9994

الأمر الثاني مما يستجلب به الخوف: التفكر في الموت وشدته:

قال تعالي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد [ق:19] .

وقال: (( أفضل المؤمنين أحسنهم خلقاً، وأكيسهم أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم له استعداداً، أولئك الأكياس ) ) (6) .

فيا أيها العاصي الذي قل خوفه من الله! أما تذكر ساعة يعرق لها الجبين، وتخرس من فجأتها الألسن، وتقطر قطرات الأسف من الأعين؟

فتذكر ذلك؛ فالأمر شديد، وبادر بقية عمرك؛ فالندم بعد الموت لا يفيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد [ق:13] .

الأمر الثالث: التفكر في القبر وعذابه وهوله وفظاعته:

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قال: كنا مع رسول الله في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: (( يا إخواني ! لمثل هذا فأعدوا ) ) (7) .

وقال بعض الحكماء:

أنسيت يا مغرور أنك ميت

أيقن بأنك في المقابر نازل

الأمر الرابع: التفكر في القيامة وأهوالها:

قال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [الحج:1-2] .

وقال تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيباً السماء منفطر به كان وعده مفعولاً [المزمل:17] .

الأمر الخامس: التفكر في النار وشدة عذابها وما أعد الله عز وجل فيها لأعدائه:

قال تعالى: ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين [الأنبياء:46] .

الأمر السادس: تفكر العبد في ذنوبه:

فإنه وإن كان قد نسيها؛ فإن الله تعالى قد أحصاها، وإنها إن تحط به؛ تهلكه؛ إن وكله الله إليها، فليتفكر في عقوبات الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة، ولا يغرن المذنب النعم؛ فقد قال: (( إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه؛ فإنما ذلك منه استدراج ) )، ثم تلا: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (8) [الأنعام:44] .

وقال تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد [آل عمران:30] .

وقال: (( إني لأعلم أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة البيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً ) ). قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا أن نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: (( أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله؛ انتهكوها ) ) (9) .

الأمر السابع: أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة:

وذلك بموت مفاجئ، أو فتنة مضلة، أو غفلة مستمرة، أو تسويف وإمداد إلى الموت أو غير ذلك، وعندها يندم حيث لا ينفع الندم.

الأمر الثامن: من الأمور التي يستجلب بها الخوف من الله تعالى: التفكر في سوء الخاتمة:

فإن العبد ما يدري ما يحدث له في بقية عمره؟!

وقد كان رسول الله يقول: (( يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ) ) (10) .

وقال تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفعال:24] .

وقال: (( لقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر، إذا اجتمع غلياناً ) ) (11) .

عباد الله!

هذه بعض الأمور التي يستجلب بها الخوف من الله تعالى، وكل إنسان أعلم بنفسه من غيره من الناس؛ فإن كانت هذه الأمور موجودة فيه؛ فليحمد الله، وليسأل الله الثبات، وإن كانت مفقودة؛ فعليه أن يعمل على تحصيلها؛ فإن الأعمال بالخواتيم.

عباد الله!

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [النحل:90] .

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

(1) 1 متفق عليه .

(2) 2 رواه البزار والبيهقي وهو حسن بطرقه .

(3) 1 رواه أحمد والترمذى وأبن ماجه والحاكم وصححه .

(4) 2 رواه البخارى .

(5) 1 رواه البخارى ومسلم .

(6) 2 رواه ابن ماجه وهو حسن بطرقة

(7) 4 رواه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن .

(8) 4 رواه أجمد بإسناد حسن.

(9) 1 رواه ابن ماجه بسند صحيح .

(10) 2 رواه أحمد والحاكم وصححه.

(11) 4 رواه أحمد والحاكم وصححه .

وليد بن إدريس المنيسي

مينيسوتا

دار الفاروق

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-الخوف والرجاء. 2- تعريف الخوف. 3- أسباب الخوف من الله. 4- فضل الخشية من الله تعالى. 5- ثمرة الخوف من الله. 6- الخوف المحمود في الكتاب والسنة. 7- الخوف من الله سبب المغفرة.

الخطبة الأولى

عن شداد بن أوس أن رسول الله قال: (( قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، إن أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمّنته يوم أجمع عبادي ) ) [رواه ابن المبارك وأبو نعيم والبزار وحسنه الألباني صحيح الجامع 4208] .

قال المناوي: من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.

الخوف والرجاء جناحان يطير بهما المقربون، يتسابقون بها إلى رضوان الله وجنته، فهما كالجناحين للطائر إذا انكسر أحدهما لم يستطع الطيران.

وحديثنا اليوم عن الخوف.

الخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل وهو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات قال تعالى: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف:99] .

ولابد أن يجمع العبد بين الخوف والرجاء لأن الخوف إذا لم يكن معه رجاء في رحمة الله تعالى أدى بصاحبه إلى اليأس والقنوط من رحمة الله قال تعالى: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف:87] . وقال تعالى: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون [الحجر:56] .

الخوف من الله تعالى تارة يكون للمعرفة بالله تعالى والمعرفة بصفاته وأنه الجبار المتكبر المنتقم من المجرمين وتارة يكون لمعرفة العبد بكثرة جنايته ومعرفته بعيوب نفسه فأخوف الناس من الله تعالى أعرفهم بربه وأعرفهم بنفسه.

قال الله تعالى: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء [فاطر:28] .

قال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار جهلاً.

قيل لأحمد بن حنبل: هل كان مع معروف الكرخي شيء من العلم قال: معه رأس العلم: خشية الله، وقد حذر من عدم إبصار عيوب النفس عن أبي هريرة مرفوعاً: (( يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه ) ) [ رواه ابن حبان وأبو نعيم وصححه الألباني] .

ولهذا جمع النبي بين العلم بالله والخوف منه في قوله: (( والله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية ) ) [رواه البخاري ومسلم] .

وإنما أخبر رسول الله عن نفسه بأنه أشد الناس خشية لله عن وحي من الله تعالى وإلا فالمؤمن يخاف ألا يكون خائفاً قال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت فإنك إن قلت: لا كفرت، وإن قلت: نعم كذبت. وهذا يفيد أن الخائف من الله تعالى في الحقيقة يتهم نفسه ويخاف ألا يكون خائفاً.

ثمرة الخوف من الله ترك المعاصي والهرب إلى الله، فالخوف من الله تعالى يكون بترك ما تخاف أن يعاقبك عليه، وقال بعض السلف: من خاف شيئاً هرب منه، ومن خاف الله تعالى هرب إليه.

ومن تأمل أحوال الأنبياء والصحابة والصالحين وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، فهم جمعوا بين الإحسان والخوف، ونحن جمعنا بين الإساءة والأمن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت