الحمد لله على نعمة الإسلام، والصلاة والسلام على مسك الختام، محمد بن عبد الله خير الأنام، وعلى آله وصحبه مصابيح الظلام، وعلى التابعين لهم بإحسان على الدوام.
أما بعد:
فإن ثمة ظاهرة خطيرة جدًا، ظاهرة عمت المجتمعات؛ أثرت على الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والرجال والنساء؛ حتى أنها أثرت على كثير من الدعاة وطلبة العلم، والعباد والزهاد، والواقع بهذا ظاهر للعيان، ولا يحتاج منَّا إلى كثير من الاستدلال، هذه الظاهرة هي ظاهرة الترف.
هذا الترف الذي أفسد القلوب، وأبعد الكثير من الناس عن علام الغيوب، وله أخطار جسيمة، ومفاسد عديدة؛ من هذه المخاطر نذكر ما يلي:
1.أن الترف غالبًا يطغي الإنسان، ويفسد علاقته بربه، ويجعله ينحرف عن أوامر الله -تعالى-؛ قال الله -تعالى-: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} سورة العلق (6) (7) . فالغنى سبب من أسباب الانحراف؛ لأن الغني يستطيع أن يحصل على كثير من الشهوات التي قد لاتتاح للفقير، وهذه الشهوات كثير منها مما حرمه الله -تعالى-؛ قال صلى الله عليه وسلم-: (حجبت النار بالشهوات، حجبت الجنة بالمكاره) 1. ولذلك فالدنيا سبب من أسباب الانحراف، والانحراف سبب من أسباب الدمار والهلاك؛ قال الله -تعالى-: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} سورة الإسراء: (16) . فهذا قارون صاحب الكنوز الثمينة، كان ترفهه وتكبره وتجبره على ملك الملوك أن أخزاه الله، فخسف به وبداره الأرض؛ قال الله-تعالى-: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} سورة القصص: (81) . فالغني الذي لا يؤمن الله بالله ولا باليوم الآخر، ولا يؤدي ما أوجب الله عليه؛ يصاب بالبطر والكبر، ويصبح ماله نقمة عليه في الدنيا والآخرة؛ قال الله -تعالى-: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الخاطئون*} سورة الحاقة: (28-37) .
2.أنَّ الدنيا هي سبب النزاع بين الناس في القديم والحديث؛ فهي سبب الفرقة والتناحر بين المجتمعات، وبين الأفراد في المجتمع الواحد، ولم ينج من ذلك حتى أهل القرن الأول، فبعد غزوة بدر مباشرة دبَّ شيء من الخلاف بين بعض الصحابة على الغنائم حتى نزل قوله -سبحانه-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} سورة الأنفال: (1) . وكذلك كانت الغنائم سبب نزول كثير من الرماة عن التلة في غزوة أحد، وكان ذلك سببًا في تغيير مجريات المعركة. ولقد كان التنافس على الحكم سببًا لفرقة هذه الأمة قديمًا وحديثًا، ولا زال ذلك السبب الأول في عدم اتحاد أمتنا الإسلامية حتى الآن. ولذلك جاء ذلك واضحًا في الحديث الصحيح: (فتنافسوها كما تنافسوها...) 2. وعن عبد الله بن عمر و بن العاص-رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا فتحت عليكم فاروس والروم... تتنافسوها، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون) 3. فالدنيا إذن سبب للنزاع والصراع الذي يدمر الأمة ويهلكها، والزهد فيها سبب للحب والألفة؛ قال رسول الله -صلى الله لعيه وسلم-: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) 4.
3.الترف يلهي عن ذكر الله -تعالى-؛ كما في الحديث: (وتلهيكم كما ألهتهم) 5؛ لأن الإنسان إذا كثرت أمواله انشغل -غالبًا- بالمحافظة عليها، والتجارة فيها، وتنميتها، وتحصيلها من التجار، وملاحقة ذلك ليلًا ونهارًا، فلا يجد وقتًا لتعلم دينه، أو لقراءة القرآن، أو لصلاة الجماعة، وفعل النوافل، وقيام الليل، وما شابه ذلك؛ فهو في نهاره مشغول بأمواله، وفي نومه تعرض له في أحلامه، فيرى في نومه أنه ربح ربحًا عظيمًا، أو خسر خسارة فادحة، وهكذا...
4.أنَّ الأمة المترفة لا تكون أمة مجاهدة، والتاريخ أكبر دليل على ذلك، فقد فتح المسلمون الأوائل الدنيا وهم فقراء، فلما أصابهم داء الترف؛ وقفت الفتوحات، فلما اشتد بهم هذا الداء؛ بدأت دولتهم تتقلص، وبدأوا يتراجعون. فهذه الأندلس كانت يضرب بها المثل فيما وصلت إليه من ترف، فماذا كانت نتيجة ذلك؟ تناحرت ملوكها، وتقاعس أهلها عن الجهاد، فابتلعها الصليبيون. وحدث مثل ذلك لبغداد عاصمة الخلافة العباسية التي بلغ فيها الترف مبلغه، فلم تستطع أن تقف في وجه التتار، وقس على ذلك... ولكن ليس معنى هذا أن الغنى كله سيئات، وليس له حسنات، فالمال نعمة يمكن أن تسخر في الخير كما يمكن أن تسخر في الشر، ولكن الواقع البشري نلاحظ فيه تسخير هذه النعمة في معصية الله- غالبًا- وليس في طاعة الله- تعالى-؛ فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (... إنَّ هذا المال حلوة، من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، وإن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع) 6. كما أن ذلك لا يعني أنَّ الفقر ليس له مخاطر، فإنَّ الفقر الشديد المدقع قد يدفع الإنسان إلى الانحراف، وقد يؤدي إلى كل ما يؤدي إليه الترف. ولكن المقصود هو التوازن في النفس البشرية، فإنَّ الناس لشدة حبهم للمال لا يكادون يرون للغنى سيئة، ولشدة كرههم للفقر لا يكادون يرون له حسنة، فجاءت نصوص الكتاب والسنة تحذر من مخاطر الترف، وتحث على تحقيق التوازن في الحياة، وتبين أن الغنى ابتلاء، وأن الفقر كذلك، وكذلك تبين أن على الإنسان أن يجعل كل ما أوتي من مال وغيره، فيما يرضي الله -سبحانه وتعالى-.