#لا تحلوا شعائر الله د. عبد الحي يوسف*
يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (المائدة: 2)
القراءات:
في قوله سبحانه (( شنآن ) )قرأ ابن عامر وشعبة وابن وردان وابن جماز بخلف عنه بإسكان النون على أنه صفة مثل: عطشان وسكران، وقرأ الباقون بفتح النون وهو مصدر شنأ مثل الطيران
قوله سبحانه (( أن صدوكم ) ): قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر همزة أن على أنها شرطية والصد منتظر في المستقبل، وعليه يكون المعنى: إن وقع صد لكم عن المسجد الحرام مثل الذي فعل بكم أولاً في الحديبية سنة ست من الهجرة فلا يحملنكم بغض من صدكم على العدوان. وقرأ الباقون بفتح همزة أن على أنها مصدرية، وأن وما دخلت عليه مفعول لأجله، والمعنى: لا يحملنكم بغض قوم على العدوان لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام في الزمن الماضي؛ لأنه وقع عام الحديبية سنة ست من الهجرة، والآية نزلت سنة ثمان من الهجرة عام الفتح. [1]
شعائر الله: قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد: الصفا والمروة، وقيل: شعائر الله محارمه أي لا تحلوا محارم الله التي حرَّمها تعالى
ولا الشهر الحرام: يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم كما قال تعالى (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) )وقال تعالى (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله ) )وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع {إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان} وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم واحتجوا بقوله تعالى (( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) )والمراد أشهر التيسير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهراً حراماً من غيره، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف في ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أماناً من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: وأما قتال الدفع ـ إذا ابتدأ الكفار المسلمين بقتال ـ فإنه يجوز للمسلمين القتال دفعاً عن أنفسهم، في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء [2]
ولا الهدي: ما أهدي إلى البيت وتقرب به من النسائك وهو جمع هدية كما يقال جدي في جمع جدية
ولا القلائد: جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر أو غيره. [3] يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من أرادها بسوء وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها [4] وقيل: المراد: ذوات القلائد وهي البدن وقد عطفت على الهدي للاختصاص لأنها أشرف الهدي كقوله (( وجبريل وميكال ) ) [5]
ولا آمين البيت الحرام: أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً، وكذا من قصده طالباً فضل الله وراغباً في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه
يبتغون فضلاً من ربهم: يعني بذلك التجارة
ورضوانا: المشركون كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم وأن الحج يقربهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم
وإذا حللتم فاصطادوا: أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد
ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم: لا يحملنكم بغض من كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً بل احكموا فيهم بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، ومن كلام العرب في ذلك:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ** جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
وتعاونوا على البر: فعل الخيرات