#هم الآخرة
الخطبة الأولى:
الحمد لله المحمود في عليائه الواحد الماجد الفرد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد الذي أنار الدرب لأوليائه وبصرهم إليه ويسره لهم القائل في كتابه { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى } (الضحى:4) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اشد الناس وجلاً من ربه والقائل ( لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيراً و لضحكتم قليلاً و لخرجتم إلى الصعدات، تجأرون إلى الله) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أم بعد:
فاتقوا الله تعالى أيها الناس واعدوا لما بعد الموت: ولا تغتروا بسعة حلم الله عليكم في حياتكم، فإن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء.
عباد الله: إن المتأمل في حال الناس يجدهم عند شروعهم في أي عمل لا بد أن يخططوا لهذا العمل ودراسة جادة ذلك بحسب همومهم وبحسب أهمية العمل. فالجميع حريصون على أن يخرجوا بعد هذه الدراسة وهذا التخطيط، وعمله ناجحاًُ بنسبة عالية فيكون هذا الأمر هو همه الأول والأخير و لكن هل خطط أحدنا وقام بدراسة جادة مجدية للآخرة فيكون همه هو نجاحه في الوصول إليها سليماً من البلايا وقد جعل مطيته الدنيا غير مغتراً يزخرفها وبهرجتها إن هذا الهم هو الذي ينبغي أن يكون في قلوبنا جميعاً. فهل فكر أحدٌ مجرد تفكير فقط في هذا الأمر؟ لا... إلا من رحم الله...
أحبتي من منا يُمضي يومه يتذكر فيه مصيره. من منا إذا رأى شيئاً في الدنيا ربطه بآخرتة. من منا إذا تحدث بحديث جعل للآخرة نصيباً منه. من منا إذا فرح، فرح للآخرة. وإذا حزن، حزن للآخرة. وإذا رضي فللآخرة وإذا غضب فللآخرة وجعل كل حركاته وسعيه للآخرة. اللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا.
عباد الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هاذين الصنفين في الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه الألباني عن أنس رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان همه الآخرة، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمه ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ) . ووردت رواية أخرى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه فلم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
عباد الله: إن صاحب الهم الأخروي الذي جرد نفسه لله ولم يجعل في قلبه أحد سواه أنعم الله عليه بثلاث نعم ( ونعم الله لا تحصى ) لو يعلم بها أهل الدنيا لجالدوه عليها بالسيوف حتى يأخذوها منه وإليك أخي الكريم أولى هذه النعم.
جمع الشمل والأمر: وهو الاجتماع وكل ما يحيط بالإنسان، فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه السكينة، والطمأنينة ويجمع عليه أفكاره ويقلل نسيانه، ويجمع عليه أهله، ويزيد من المودة بينهما ويجمع عليه أبناءه، وييسرهم له ويجمع عليه أقربائه، ويبعد عنه الشقاق، ويجمع عليه ماله، فلا يتشتت بتجارة خاسرة، أو تصرف أحمق، ويجمع القلوب عليه بعد أن يكتب له القبول في الأرض، فلا يراه أحد إلا أحبه، ويجمع عليه كل ما يحيط به من أمور الخير جميعها.