فهرس الكتاب

الصفحة 9185 من 9994

أيها الإخوة المؤمنون هذه لمحة موجزة سريعة استعرضنا فيها طرفاً من أحداث تلك الوقعة التي كان فيها من البلاء والمحنة والفرح والألم ما وقفتم على شيء منه وقد حفظته كتب السير، وذكره الله تعالى في كتابه في سورة آل عمران قال الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم والصحابة الذين كانوا معه: ?وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (3) إلى آخر تلك الآيات التي قص الله فيها ما نزل بالمسلمين من النصب والوصب فجزاهم الله عنا خير ما جزى قوماً عن أمتهم.

سلام من الرحمن في كل ساعة وروح وريحان وفضل وأنعم

لكل امرئ منهم سلام يخصه يبلغه الأوفى إليه وينعم

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

فيا أيها المؤمنون إن هذه الوقعة غزوة أحد، فمع ما وقع فيها من الكوارث والنكبات، وما حوته من النوازل والأزمات إلا أنه يصدق فيها قوله تعالى: ?لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? (4) فإن هذه الوقعة فيها من الدروس والعبر والمواعظ والحكم شيء كثير ذكره الله تعالى في كتابه عند ذكر هذه الغزوة في سورة آل عمران وإليكم بعض هذه الدروس؛ فمن تلك العبر والدروس في غزوة أحد ذلك الدرس الذي تجده ظاهراً في جميع فصول هذه الغزوة وأحداثها ألا وهو الابتلاء، فإن ابتلاء الله تعالى للمؤمنين سنة ماضية وراسخة، فيه من الفوائد والحكم مالا يحصل بالعافية والأمن فعلى رغم أن البلاء في هذه الغزوة كان مريراً قاسياً إلا أن الله عاتب بعض من استنكر ذلك فقال تعالى: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ? (5) فمن ظن أن الجنة تحصل له بأبخس الأثمان وأضعف الأعمال فقد أخطأ الحساب إذ لابد للجنة من مهر يقدمه العبد في هذه الدنيا به يتميز الأولياء من الأدعياء فالبلاء يميز الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق والبلاء يكشف عن معادن الرجال كما قال الأول:

جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي

فإن الله لما ابتلى المسلمين بهذه النازلة أبدى المنافقون رؤوسهم وتكلموا بما كان يكتمون وظهرت مخبأتهم وعاد تلويحهم تصريحاً، وانقسم الناس في هذه الغزوة إلى كافر ومؤمن ومنافق، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في أنفسهم فماز الله بذلك الخبيث من الطيب قال الله تعالى: ?مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ? (6) فعرف المؤمنون في هذه الغزوة ضعفهم، وبها عرفوا أعداءهم، وهذبهم بها، ومحص قلوبهم، وجعلها سبباً لبلوغ منازل ودرجات قضى في سابق حكمه أنها لهم قصرت عنها أعمالهم فاتخذ منهم شهداء كتب لهم أعلى المنازل ورفعهم أعلى الدرجات، كما أن الله سبحانه وتعالى هيأ بما حدث في هذه الغزوة من البغي والعدوان على أولياء الله تعالى وأحبابه وأصفيائه هيأ بذلك أسباب محق أعدائه فإن الله إذا أراد أن يهلك أعداءه قيض لهم الأسباب التي يستحقون بها الهلاك والمحق ومن أعظم هذه الأسباب بعد الكفر بالله بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه وتفننهم في محاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) ) (7) فإذا عتا أعداء الله على أوليائه وحزبه فإن ذلك من أمارات وعلامات قرب محق الله لهم قال الله تعالى: ?إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ? (8) وما تشهده الأمة اليوم من تسلط الكفار وأشياعهم على حزب الله وأوليائه ما هو إلا إحدى علامات قرب محق الله لهؤلاء المعتدين فالحمد لله الحكيم العليم الخبير.

وعلى ورثة الأنبياء من أهل العلم والدعوة وأهل الخير والصحوة أن يتقوا الله ويصبروا فإن أجل الله قريب وعليهم أن لا يضجروا إذا أصابهم أذى أو نزل بهم مكروه فإن الله قد قال: ?كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ? (9) وقد صدق القائل:

لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل

والابتلاء مهما طالت مدته وامتد وقته واشتدت كربته وتوالت أحداثه وكثرت ضحاياه فإن عاقبته أن يرتفع وينكشف فإنه

مهما دجا الليل فالتاريخ أخبرنا أن النهار بأحشاء الدجى يثب

وينبغي لأولياء الله أن لا يهنوا ولا يذلوا لما نزل بهم من كرب أو حل بهم من ضيم فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يرفعها انكسار عسكري ولا يزيلها ضعف آتي بل الأمر كما قال الله تعالى لأوليائه بعد انقضاء هذه المعركة: ?وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (10) فإن ما أصابهم إنما هو في ذات الله تعالى فعليهم أن يتجلدوا لأعدائهم والشامتين بهم كما قيل:

وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع

وعلى أولياء الله أن يعلموا أنه إذا كان البلاء يصيب الرسل ومن معهم مع صحة إيمانهم وصدق بذلهم وعظيم جاههم عند الله تعالى فإصابته لمن دونهم أولى وأحرى.

ومن الدروس الكبرى في هذه الواقعة كشف سوء عاقبة المعاصي وشؤمها على من قارفها بل ويتعدى ذلك إلى المجتمع ولاشك أن شؤم المعصية سيئ قبيح وقانا الله وإياكم شر أنفسنا والهوى والشيطان ويتضح هذا من خلال ما وقع من الرماة في هذه الغزوة فإنهم لما خالفوا أمر رسول الله r عاقبهم الله بما سمعتم في هذه الخطبة الأولى.

(1) أخرجه أحمد برقم 5093 وابن أبي شيبة في المصنف ( 4/ 212 ) .

(2) رواها البخاري في صحيحه برقم 3039 وغيره من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

(3) آل عمران: 139.

(4) النور: 11.

(5) آل عمران: 142.

(6) آل عمران: 179.

(7) أخرجه البخاري برقم 6502 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(8) آل عمران: 140- 141.

(9) المجادلة: 21

(10) آل عمران: 139 .

الخطبة الأولى

أما بعد. .

أيها المؤمنون إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً وقد خصه الله تعالى بفضائل كثيرة ومناقب عديدة بزّ بها الأولين والآخرين , ومن أعظم ما يظهر هذه الفضائل ويبدي تلك المناقب والخصائص سيرته الطيبة صلى الله عليه وسلم , فسيرته من أكبر دلائل فضله وعلامات صدقه فهي آية من آيات صدق رسالته ونبوته قال ابن حزم رحمه الله: ( فهذه السيرة العظيمة لمحمد لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة وتشهد له بأنه رسول الله حقّاً فلو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفى ) كيف لا؟ وسيرته وسنته وأيامه هي التطبيق العملي لدين الإسلام فهي من أعظم ما يعين على فهم الشريعة، وسيرته من أسباب زيادة محبته والإيمان به صلى الله عليه وسلم، فذكره وذكر سيرته صلى الله عليه وسلم يحيي القلوب ويداويها من أسقامها وعللها وقد أجاد من قال:

إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس

وسيرته صلى الله عليه وسلم عند العلماء والأولياء ليست قصة تتلى ولا قصائد تنشد ولا مدائح تنسج بل هي سنة يستن بها أولو الألباب والنهى، وبها توزن الأقوال والأعمال والرجال، وهذا بعض ما جعل السلف رحمهم الله يحتفون بسيرة النبي المختار ويخصونها بالكتب والمؤلفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت