ثم انظر إلى ما بين يديك غدًا في الآخرة, أي منزلة تحب أن تنزله؟ وأي مستقر تحب أن تنزل فيه رحالك؟ يوم أن ينادى في الناس: ليتبع كلٌ ما كان يعبد، وما كان يصرف إليه عمله.
تُرى, أتبغي غير سبيل الفرار إلى الله؟
لا, والله، لا أراك تبغي به بدلاً.
إذًا, فهذه السبيل بيضاء ليلها كنهارها، فهل أنت من السالكين؟
ثم تأمل في حال أولئك الذي يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويوم يبقى كثير من الناس يعالجون شدة الشمس، وآلام الموقف.
ترى فَمَن يتنعم بظل ربه, ذاك الذي أنفق نفقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، فما سعى لأن يراه الناس، وأن يعلموا مقدار ما أنفقه، بل حسبه أن يعلمه ربه عز وجل؛ إذ إليه المقصد بذلك العمل.
وترى منهم ذاك الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، فلم يدفعه غياب العيون، وظلام الليل إلى تلك الدعوة المنكرة؛ لأنه يحمل قلبًا امتلأ إيمانًا بربه، فكانت لا تغيب عنه مراقبته له، فصدع في وجه اللذة الحاضرة، ونزعات الهوى، وتزيين الشيطان وفتنة المرأة قائلاً: إني أخاف الله.
وترى منهم ذاك الذي ذكر الله خاليًا، فلم تسمعه أذن، ولم تره عينٌ من الخلق، ففاضت عيناه محبة وشوقًا، ورغبة ورهبة، فكفاها ما تجده من أنسٍ بذكر ربها عز وجل، في حين يبقى كثير من الناس في تثاقل من ذكر ربهم، وترسل ألسنتهم الحديث تلو الحديث في ذكر حبيب وصديق.
فكن أيها المؤمن دائم المراقبة لربك عز وجل، لتفوز بالزلفى إليه، فكفى به حسيبًا ووكيلاً، وكفى به وليًا ونصيرًا.
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1) صحيح، أخرجه ابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر الذنوب، حديث (4245) ، والطبراني في الأوسط (4629) ، والروياني في مسنده (651) ، قال المنذري في الترغيب (3/170) : رواته ثقات. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (ص552) : هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (505) .
عبد الحليم توميات
رايس حميدو
عمر بن الخطاب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-المراقبة من مستلزمات التوحيد. 2- الحكمة من تعريف الله إيانا بأسمائه وصفاته. 3- الأسماء الحسنى التي تدل على صفة المراقبة. 4- حقيقة المراقبة. 5- مجالات المراقبة. 6- مواطن المراقبة. 7- لماذا هانت المعاصي وانتشرت؟
الخطبة الأولى
أما بعد: عباد الله، إن من مستلزمات التوحيد، ومن حقوق الله على العبيد، التي تعتبر من منازل السائرين ومسالك المتقين منزلة"المراقبة".
مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والإعلان، في أعمال القلب والجوارح واللسان، وهذه المنزلة العظيمة لا تقل شأنًا عن المنازل الأخرى التي رأيناها فيما سبق.
واعلموا ـ إخوتي الكرام ـ أن لله سبحانه وتعالى في ذكر أسمائه وصفاته في القرآن الكريم حكما عظيمة، ومن ذلك أنه تعالى ذكر لنا أسماءه وصفاته لنتعرفه بها، وندنو بها إليه، ندبنا ودعانا لمعرفة أسمائه وصفاته لنتعبَّده بها ونسير إليه بمقتضاها ومدلولها.
والمراقبة تشمل أسماء حسنى كثيرة منها: الرّقيب والحفيظ والعليم والسميع والبصير. فمن عقل هذه الأسماء وتعبّد الله بمقتضاها حصلت له المراقبة لا ريب في ذلك.
قال تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، وقال: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء رَّقِيبًا [الأحزاب:52] ، وقال: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد:4] ، وقال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ [غافر:19] .
وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي عن الإحسان فقال: (( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ).
كل هذه النصوص تمر عليك ـ أيها المسلم ـ لتذكرك بأن الله سبحانه مطلع على جميع أعمالك ونواياك، كل وقت، وكل لحظة، وكل نفس، وكل طرفة عين، فكيف يليق بك بعد ذلك كله أن تعيش في ظلمات الغيّ والهوى؟!
المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق عليه؛ على ظاهره وباطنه.
رقيب عليك في الباطن، فاحذر أن يكون قلبك محبًا لغيره تعالى، فمن أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تعرف قدر الرّبح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غيرته على محارمه ثم تتعرّض لها، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأعجب من هذا كله أن تعلم أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج إليه ثم تبتعد منه.
وهو رقيب عليك في الظاهر من الأقوال والأفعال، فإن كنت تستحي من القبيح أمام إخوانك وجيرانك والناس أجمعين، فالله أولى أن تستحيَ منه سبحانه، قال تعالى في ذم المنافقين: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:108] .
وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمة…والنفس داعية إلى الطغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها…إن الذي خلق الظلام يراني
فخاطب نفسك وتحدث معها: ويحك يا نفس، إن كنت قد تجرأت على الله وعصيتيه وأنت تظنين أنه لا يراك فما أكفرك، وإن كنت قد تجرأت على الله وعصيتيه وأنت تعلمين أنه يراك فما أقل حياءك. ويحك يا نفس، أجعلت الله أهون الناظرين إليك؟! إياك إياك أن تغفل عن الله وعن مراقبته، فإنه يمهل ولا يهمل.
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل…خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة…ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
لهونا لعمرو الله حتى تتابعت…ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى…ويأذن لنا في توبةٍ فنتوب
واعلموا ـ عباد الله ـ أن أعظم مجالات المراقبة هو"التوحيد"وتجنّب الشرك خاصة شرك القلوب، ومنها الدعاء والتوكل والحب والشكر.
أما الدعاء فإني سائلك يا أخي: كم ساعة دعوت الله في هذا اليوم؟ هل هي ساعة أو ساعتان؟ فإني أخشى أن تكون حصيلة هذه العبادة العظيمة دقائق معدودات.
وأما التوكل فهل أنت من الذين إذا أصابتهم مصيبة ذكروا الله أوّلاً ثم الأسباب ثانيًا، فكم منهم أولئك الذين إذا أصابه وجع أو ألم يتذكر أوّل ما يتذكر الطبيب المعالج، ولا يذهب ذهنه في أول وهلة إلى رب الطبيب.
ووالله لو وجدنا الله عز وجل معظمين له حق التعظيم نلجأ إليه قبل أي حميم لكان عند ظننا به، مصداقًا لقوله في الحديث القدسي: (( أنا عند ظن حسن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ) )متفق عليه. ولكن، لما جُعل الله تعالى من الأمور الفرعية الثانوية، يلجأ إليه عندما يفشل العبد في إبرام أمره تركه الله ووكله إلى نفسه.
واعلموا أنّ المراقبة تكون قبل العمل وفي العمل وبعد العمل.
فراقب نفسك قبل العمل هل حركك عليه الهوى وحظ النفس أو الحامل لك عليه هو إرادة الله تعالى والدار الآخرة؟ فإن كان الله وحده لا شريك له هو الذي أردته بعملك فلا تتوان في عمله وإلا فاتركه، قال الحسن:"رحم الله امرءًا وقف عند عمله، إن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر"، وهذا هو"الإخلاص"الذي يناط به قبول العمل.
ثم راقب نفسك في العمل، هل هو على شريعة الله وسنّة نبيه ؟ فإن كان كذلك فلا تتأخر عن القيام به، وإلا فاعلم أن عملك هذا مردود عليك، وهذا هو"الاتباع"الذي يعتبر شرطًا ثانيًا في قبول العمل.