فهرس الكتاب

الصفحة 3944 من 9994

#الوصايا الربانية(2)

د. علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد معاشر الأخوة المؤمنين:

نمضي مع الوصايا الربانية، التي عرفنا قدرها ومقامها ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة وسبب السعادة والمخرج بإذن الله من كل فتنة ، والعصمة من كل محنة ؛ لأنها هدى الله عز وجل وأوامره ووصاياه ..

{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً }

ووصية اليوم هي الوصية التي أقرّتها الفطر البشرية السوية واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيراً، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها، في سنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً ..

{وبالوالدين إحساناً }

الوصية بالوالدين، بر الوالدين، الإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيرا متنوعا، وها هنا تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين ، وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر وإطلاق لفظ الإحسان مذكراً ومنوّناً ليكون عاماً شاملاً ..

{بالوالدين إحساناً }

في القول والفعل وقسمات الوجه، ونظرات العين ولمسات اليدين ، وكل حركة وسكنة وفي كل وقت وآن وفي كل ظرف وحال ؛ لأنه إحسان مطلق وإحسان يكون في كل أحوالهما وفي كل أحوال أولادهما كذلك، قال الفيروز آبادي في تعريفه لبر الوالدين كلاماً نفيساً قال:

"هو الإحسان إلى الوالدين والتعطف عليهما، والرفق بهما والرعاية لأحوالهما وعدم الإساءة إليهما وإكرام صديقهما".

غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله عز وجل ، ومع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث ؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني ، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم ؛ فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة .

وأول هذه الوجوه اقتران حقهما بحق الله عز وجل وكم هي الآيات التي جاءت بالأمر بالتوحيد وثنت بالإحسان إلى الوالدين .. { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً }

واقترن كذلك في قوله جل وعلا: { أن اشكر لي ولوالديك } .

فأي حق أعظم من حق يأتي تالياً مباشرة لحق الله سبحانه وتعالى ؟

قال ابن عباس:"ثلاث لازمات لثلاث: وقرن بينهما فقال { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فلا تتم طاعة الله إلا بطاعة الرسول ، { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فلا تتم إقامة الصلاة إلا بإيتاء الزكاة .."ثم قال في شأن شكر الله عز وجل:" { أن اشكر لي ولوالديك } فلا يتم شكر الله إلا بشكر الوالدين".

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك ويبينه ويوضحه؛ لأن المكانة عظيمة في حديث أسماء رضي الله عنها في بيان الوجه الثاني وهو الصحبة والإحسان ولو مع الكفر لأن الله جل وعلا قال: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً }

فهل رأيتم قدرا ومكانة أرفع، من أن يكون إنسان على غير الإيمان والتوحيد، ثم يأتي أمر الله مستنزلا بالآيات بحسن صحبته، وجاءت أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: ( جاءت إلي أمي وهي راغبة ، فاستفتيت رسول صلى الله عليه وسلم -لم يكن أحدا يصنع شيئا إلا بعد أن يعرف حكمه ومكانه في دين الله- فقالت: يا رسول الله أمي قدمت إلي راغبة أفأصل أمي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:( نعم صل أمك )

وهذا مقام عظيم ..

ووجه ثالث من العظمة:

أن برهما معدود من الجهاد في سبيل الله ، والجهاد من أعظم الأعمال وأشرفها، وأجلها من حيث كونه بذلاً للروح ، وإزهاقا لها في سبيل الله عز وجل، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال له عليه الصلاة والسلام: ( أحيٌّ والداك ؟ ) فقال: نعم قال: ( ففيهما فجاهد) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ..

وروى أنس أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه - عنده عذر- فقال له الله صلى الله عليه وسلم: ( هل بقي من والداك أحد ؟ ) قال: أمي، فقال: ( قابل الله في برها فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد ) رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه بسند جيد وصححه العراقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت