فهرس الكتاب

الصفحة 8360 من 9994

كما أنه مما لابد أن يُعلم أن كل طريق إلى الله مسدود إلا طريقا واحدا وهو ما كان عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أراد النجاة والسعادة في الدارين فليجعل النبي صلى الله عليه وسلم له إماما ومتبعاً، ولا يقدم على سنته صلوات ربي وسلامه عليه قول أحد كائنا من كان، فإنه هو الصادق المصدوق وهو أنصح الخلق للخلق وهو الشافع المشفَّع، ومن صح توحيده واتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يدخل في شفاعته يوم القيامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين يقف على حوضه ويريد أن يسقى منه أتباعه، يحجب أقوام عن الحوض، فيقول صلى الله عليه وسلم:"يارب أمتي، أمتي.."فيقال:"إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"ـ ما اصطنعوا من الأمور واتبعوا من الأهواء ـ، فيقول صلى الله عليه وسلم:"سحقا..سحقا لمن بدل بعدي".

فإياكم ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ، قال الإمام أحمد: الفتنة أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

فإياكم واتباع الأهواء واجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم لكم إماما ومتبعاً، وخذوا العلم من أهله ممن يسلكون طريقه صلوات ربي وسلامه عليه، ويدلون الناس على سنته، ولا يجرفنّكم أهل الشرك وأهل الأهواء والبدع، الذين لا يريدون لسنته أن تعلو في الأرض، ويريدون أن تعلو أهواءهم ليصلوا إلى مآربهم.

إن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك طريق خير إلا دل هذه الأمة عليه ولا ترك طريق شر إلا حذر أمته منه، وكان مما قال صلوات ربي وسلامه عليه:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وقال صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي أنه مردود على صاحبه.

فالاتباع.. الاتباع له في أمره ونهيه، وإياكم من محدثات الأمور، ومما اختلق أهل الأهواء وعامة الناس ودهماؤهم، الذين لا يريدون لدينكم أن يرتفع، ولكن يريدون أن ينطمس نور السنة، وتنتشر ظلمة البدع بين الناس، فيذهب الدين سنةً سنة، حتى تفشوَ البدع وتذهب السنة وتعلو الأهواء فلا يبقى من يدل الناس على الطريق الصحيح.

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

رسالة إلى الشرفاء - الشيخ سالم العجمي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..

أما بعد..

فإن الغيرة على العرض والشرف ما تميز به العرب، حتى قبل أن تشرق الشمس بنور الرسالة المحمدية، فكان العرب يفخرون بذلك ويبذلون في سبيل الحفاظ على عرضهم الغالي والنفيس، حتى إن قائلهم كان يقول:

يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراضٌ لنا وعقول

ومدح رجل من أهل الجاهلية امرأته فقال:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد

سقط النصيف (غطاء الوجه) من غير قصد ولا عمد، فغطت وجهها بيدها مخافة أن يُرى.

ويمدح رجل آخر (من أهل الجاهلية) قبل الإسلام!! يمدح امرأته فيقول:

لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها إذا ما مشت ولا بذات تلفتِ

فإن العرب الذين أنتم من سلالتهم، كانوا يتميزون بالخلق العالي وهو الغيرة على الشرف.

والغيرة على الشرف من أعظم المنازل، وهي دليل على الفحولة والرجولة، ومن أفلت زمام الأمر، عُدَّ من سقط المتاع فلا قيمة له ولا قدر.

ومن تأمل قصص الجاهلية ليرى من ذلك عجباً...!

فمما جاء من قصصهم، أن عقيل بن علفة: نزل في منتجع ماء، كعادة البدو الرحل الذين ينزلون عند المياه لترده أنعامهم، فسمع ابنة له تضحك وقد شهقت في آخر ضحكتها حتى سمع الرجال الصوت، فحمل عليها بالسيف وهو يقول:

فَرَقْتُ إني رجل فَروقُ لضحكة آخرها شهيقُ

وجاء عن هند بنت عتبة ـ رضي الله عنها ـ قبل إسلامها أنها كانت متزوجة برجل يقال له الفاكه بن المغيرة، والفاكه هذا كان له مجلس يغشاه الرجال فيه، كعادة الرجال في كل زمن، وكان مجلسه مبرزاً عن منزل نسائه ولا تأتيه النساء في العادة.

فزارته ذات مرة هند وجلست تسمر معه حتى غشيها النعاس، وغلب عينها النوم فنامت، وذهب الفاكه زوجها ليقضي حاجة، فجاء رجل على عادته يزور هذا المجلس فلما أقبل وجد المرأة نائمة فرجع، وصادف رجوعه أن رآه الفاكه وهو مقبل من مجلسه، فجاء الفاكه إلى مجلسه وأيقظ هنداً، وقال: من هذا الرجل الذي كان عندك؟ قالت: والله ما علمت ولا انتبهت حتى أيقظتني.

قال: الحقي بأبيك.

فلما جاءت لعتبة وأخبرته الخبر، قال للفاكه بن المغيرة: إنك اتهمت ابنتي، فإما أن تثبت وإما أن نذهب لأحد كهان اليمن.

(والكاهن رجل سوء يخبر بما مضى، يخاطب القرين فيخبره أنه فلان وأمه فلانة، وحدث له في يوم كذا، كذا وكذا) .

فلما قفلوا إلى كاهن اليمن واقتربوا من منزله اسود وجه هند، فقال لها والدها: أما كان هذا قبل أن نأتي للكاهن؟

فقالت: والله يا أبتي ما ألممت بذنب، ولكنكم تأتون رجلاً يخطئ ويصيب، وخطؤه أكثر من صوابه، ولعله يصفني بصفة لا تزول مدى الدهر.

فلما جاءوا للكاهن جعلوها مع مجموعة من النساء وقالوا له: انظر في شأن هؤلاء النسوة، فجعل يمر على النساء واحدة واحدة، ويقول: قومي، قومي، حتى إذا بلغ هندا قال: قومي لا رقحاء ولا زانية.

فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فنترت يدها من يده، وطلقها فنكحت أبا سفيان رضي الله عنه..

هذا قبل الإسلام يا عباد الله!!

فلما أسلمت بايعها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عادته في مبايعة النساء أن يبايعهن على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، فلما قال صلى الله عليه وسلم بايعي على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني، فلما بلغ ولا تزني، وضعت يدها على رأسها وصرخت: يا رسول الله أوَتزني الحرة..؟!!!

لا تزني الحرة!!

هذا وهي حديثة عهد بالإسلام ولكنها علمت منذ أيام الجاهلية أن الحرة لا تزني.

ففي أيام الجاهلية ما تزني الحرة، أما الآن فتزني الحرة، وقد تنام في أحضان كلب من الكلاب، تنام فاجرة وأهلها من رؤوس الشرف، لأنهم تركوا الخيل تمرح مع الحصن.

هذا في أيام الجاهلية تقول هند أوتزني الحرة؟ وضربت على رأسها حياءً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما جاء هذا الدين العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، يعني أنه كان لدى الناس أخلاقاً في السابق فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم هذه المحاسن، وهذه المكارم.

فحذر النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى أمته، ونبههم بتنبيه عظيم، فقال:"لا يدخل الجنة ديوث".

والديوث: ليس شرطا أن يقر أهله على الزنا، بل يدخل في ذلك أيضاً الذي لا يغار على محارمه بأي صورة كانت، كالخنزير، فالخنزير لا يغار، وأما الرجل الشريف فهو كالجمل، لأن هذا رمز العرب فهو يغار ومعروف من أخلاقه أنه لا يرضى على ناقته أن يأتيها جمل آخر، وأما الخنزير فهو يرضى بكل أحد أن يأتي بلمس أو ما زاد على ذلك.

واستمر الحال على الأخلاق الفاضلة حتى رأينا في هذه الأزمنة عجبا وقد رأيتم، ولكن المصيبة أن بعض الناس يرى البعيد عند الناس ولا يرى القريب في بيته، أعمى، وقد يكون الله سبحانه قد طمس على بصيرته فلا نجاح ولا فلاح.

أرى كل إنسان يرى عيب غيره ويعمى عن العيب الذي هو فيه

وما خير من تخفى عليه عيوبه ويبدو له العيب الذي لأخيه

إخواني لنتكلم بصراحة..

انظروا إلى العباءة المسماة زورا وبهتانا (بالعباءة الإسلامية) ، هذه العباءة التي انتشرت بين فتيات كثيرات من بنات الشرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت