إعداد/ أسامة سليمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
نتناول فيما يلي بعض محاسن الأخلاق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، ومن هذه الأخلاق الزهد.
أولاً: المعنى:
الزهد لغة: هو القلة في كل شيء، والشيء الزهيد هو القليل، وإنسان مُزهد أي قليل المال، والزهيد هو قليل المطعم، ومنه قول الله عز وجل: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20] ، ومنه حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أفضل الناس مؤمن مزهد» ، والزهد ضد الرغبة، ففلان يزهد في الشيء أي يرغب عنه، يقول الكفوي في الكليات:الزهد خلاف الرغبة.
الزهد اصطلاحًا: قيل الزهد هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وهو ترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة، وعرفه الجرجاني فقال: «هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك» . ويعرفه ابن تيمية فيقول: «الزهد ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح فيما يستعان به على طاعة الله» ، ويعرفه ابن الجوزي فيقول: «هو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه» . ومثال ذلك ترك الدنيا لحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة، ومعنى ذلك أن من رغب عن شيء وليس مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لا يسمى زاهدًا، ويقول ابن القيم عنه: «الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه منازل الآخرة» .
ثانيًا: متعلق الزهد:
ومتعلقات الزهد خمسة أشياء وهي:
1-المال: وليس المراد من الزهد في المال رفضه، وإنما نعم المال الصالح للعبد الصالح، فالمال قد يكون نعمة إذا أعان صاحبه على طاعة الله سبحانه وتعالى وأنفقه في رضوان الله، فعلى سبيل المثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان من أصحاب الأموال وكان يستخدم ذلك المال في طاعة ربه، أما المال الذي يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان فإن ذلك المال يكون نقمة على صاحبه، يقول الله تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى [العلق:6،7] .
2-الملك والرياسة: ليس المراد من الزهد أيضًا رفض الملك والرياسة، فسليمان وداود عليهما السلام كانا من أزهد الناس في زمانهما، ولهما من الملك ما أخبرنا الله عز وجل، كذلك يوسف عليه السلام قال: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث [يوسف: 101] .
وإنما الملك الذي يطغى صاحبه هو الذي نهى الله عنه، يقول سبحانه: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك [البقرة:852] .
3-الصورة: فليس من الزهد أن يكون الرجل أشعث أغبر، لا يحسن ما يلبس، ففي الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» . قال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي نظيفًا ونعلي نظيفةً أذاك من الكبر! قال: «لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس» . [رواه مسلم]
4-ما في أيدي الناس: ويقصد بذلك الزهد عما في أيدي الناس وعدم استشرافه أو التطلع إليه، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: «ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» ، فإن جاء من الناس للعبد شيء بدون استشراف نفس فلا بأس به.
5-النفس: ويقصد بذلك عدم عجب المرء بنفسه فيظن أن سيخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً، فيتكبر بمنصبه أو بما أعطاه الله من صورة على خلق الله، وإنما يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم: واخفض جناحك للمؤمنين [الحجر:88]
ثالثًا: حقيقة الزهد:
قال العلماء: «هو انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فهو إذًا يستلزم مرغوبًا عنه ومرغوبًا فيه خير من المرغوب عنه، والمرغوب عنه لابد أن يكون مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه» .
رابعًا: أقسام الزهد وأحكامه:
وقد قسم العلامة ابن القيم الزهد إلى أربعة أقسام في مدارج السالكين:
1-زهد في الحرام: وهو فرض عين على كل مسلم.
2-زهد في الشبهات: ويكون حكمه بحسب مواطن الشبهة، فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت التحق بالمستحب.
3-زهد في الفضول: وهو مستحب.
4-زهد في كل ما يشغل عن الله: هو الجامع الشامل لكل ما سبق.
خامسًا: ما يعين على الزهد:
قسم ابن رجب في جامع العلوم والحكم ما يعين على الزهد إلى:
أ- علم العبد أن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، فهي كما قال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [الحديد:20] .
ب- علم العبد أن وراء الدنيا دارًا أعظم منها قدرًا وأجل وهي دار البقاء.
جـ- معرفة العبد وإيمانه الحق بأن زهده في الدنيا لا يمنعه شيئًا كتب له منها وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يُقْضَ له منها.
آيات في الزهد
قوله تعالى: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20] .
وقوله تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى [طه: 131] .