تفسير سورة القيامة.. (الحلقة الأولى)
إعداد/ د. عبد العظيم بدوي
* مجلة التوحيد / يقول اللَّه تعالى: لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12)
ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره [القيامة: 1- 15] .
بين يدي السورة
سورة مكية تعالج موضوع البعث والجزاء، وتركّز بوجهٍ خاص على القيامة وأهوالها والساعة وشدائدها، وحالة الإنسان عند الاحتضار، وما يلقاه الكافرُ في الآخرةِ من المصاعب والمشاق.
ونستطيعُ القول بأنّ السورة قد انقسمت ثلاثة أقسام:
الأول: القسم على أن البعث حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وذكر بعض أهوالها.
الثاني: ذِكر القيامتين الصغرى والكبرى وحال الإنسان فيهما.
الثالث: ذِكْرُ الأدلة على إمكان البعث.
وقد تضمنت السورة في ثناياها إشارةً خفيفةً إلى كيفية تلقي النبي صلى الله عليه وسلم للوحي عن جبريل عليه السلام.
تفسير الآيات
استفتحت السورة بالقسم من اللَّه عز وجل بيوم القيامة، وبالنفسّ اللّوامة، على أنّ البعث حق، والجزاء حق، لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة، ويومُ القيامة معروفٌ، وسيأتي ذكره والحديث عنه في أثناء السورة، أما النّفْسُ اللوامة فقد قال الحسن البصري:
هي نفسُ المؤمن، إن المؤمن والله ما نراه إلا يلومُ نفسه: ما أردتُ بكلمتي، ما أردتُ بأكلتي، ما أردتُ بحديث نفسي؟ وإنّ الفاجر يمضي قُدُمًا ما يعاتبُ نفسه، وعنه أيضًا أنه قال: ليس أحدٌ من أهل السماوات والأرضين إلا يلومُ نفسه يوم القيامة، يعني أن المحسن يلومُ نفسه على تقصيرها، والمسئَ يلوم نفسه على إساءتها، وكل من القولين وجه.
أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه يعني هل يظنّ الإنسانُ أنّا لا نقدرُ على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة، بلى قادرين على أن نسوي بنانه، فهي القدرة لا على مجرد جمع العظام أيّا كان، بل على أن نسوي بنانه، والبنان أطرافُ الأصابع، وفيها البصمات التي تخصّ كل إنسان، بحيث إن كل بصمة لا تشبه الأخرى، فهو إذن الجمعُ الدقيق، وإعادةُ التكوين الإنساني بأدق ما فيه.
ثم يكشف ربنا سبحانه عن العلّة التي تحملُ الإنسان على استبعاد البعث فيقول: بل
يريد الإنسان ليفجر أمامه إنه يريدُ أن يركب طريق الفجور، إنّه يريد أن يركب طريق الفسوق والعصيان، إنّه يريد أن يحقّق لنفسه كل ما تشتهيه من الحلال والحرام على حدّ سواء، فهو لذلك لا يريد أن يصدق بالبعث، لأن التصديق بالبعث معناه الإيمان بالحساب والجزاء، والثواب والعقاب، وهذا الإيمان يصدّ عن طريق الفجور، ويصدّ عن الفسوق والعصيان، وهو يريدُ أن يُعْطي نفسه حظها من الشهوات والملذات وإن كانت محرمة، فلذلك هو يحاول أن يُبْعدَ عن نفسه شبح الآخرة، ويحاولُ أن يمنّي نفسه لتفعل ما تشاء، فلا حساب ولا جزاء، هذه هي علة ظنّه: أن لن نجمع عظامه، ولذلك فهو يسأل سؤال المنكر أو المستبعد: يسأل أيان يوم القيامة ؟ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [الملك: 25] ، أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، فالكافر يسأل هذا السؤال للإنكار، وعُصاة المسلمين يسألونه للاستبعاد، ليفتحوا أمام أنفسهم الأمل، ويعدوها بالتوبة بعد حين، فالعُمر باقٍ، وبابُ التوبة مفتوحٌ، فليأخذوا حظّهم من الشهوات المحرمة، فالموت منهم بعيد ! والقيامة أبعد!! اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين [يوسف: 9] .
فيا غافلاً انتبه، ويا طويل الأمل أقصر، فالموت يأتي بغتةً:وكم من صحيح
مات من غير علّةٍ وكم من عليل عاش حينًا من الدهر كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فقل: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» . الحمدُ لله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره». يا نفس اجتهدي في طاعة اللَّه، فلعلّ هذا اليوم آخرُ أيامك، وإذا أمسيت فقل: يا نفسُ، اجتهدي في طاعة اللَّه، فلعلّ هذه الليلة آخر لياليكِ، فإذا أويت إلى فراشك فقل: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفُعه، إن أمسكت نفسي فارْحَمْها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظُ به عبادك الصالحين» .
ثم ذكر تعالى بعض أهوال يوم القيامة، الذي ينكره المنكرون، ويستبعدُه المستبعدون، بينما هو قريب جدًّا، كما قال تعالى: إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا [المعارج: 6، 7] ، قال تعالى: