أخي التاجر الكريم:أن كسبك من وراء هذه الأشرطة أو هذا التأجير مال سحت ..واستمع يا رعاك إلى لما ورد عن كعب بن عجرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا كعب بن عجرة انه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به"رواه ابن حبان وصححه ، فهل تطيق نار جهنم التي أوقد عليها ثلاثة آلف عام حتى أسودت فهي سوداء مظلمة ..وإذا كانت نار الدنيا تفعل بأهلها ما تراه أحيانا أو جربته في أحايين أخرى ..فكيف بنار جهنم ؟!! ثم ألم تعلم يا رعاك الله أن الذي يأكل الحرام لا تستجاب له دعوة ؟ فهل أنت مستغنى عن ربك عز وجل ودعائه ؟! عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال (( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم { وقال } يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) )ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"رواه مسلم فاتق الله يا عبد الله فإن من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ..ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه كما أنه يمكنك أن تجعل محلك مشعل هداية للأمة ببيع الأشرطة الإسلامية التي تجمع بين خيري الدنيا والآخرة أسأل الله تعالى أن يصرف عنك نزغات الشيطان وأن يجعلك من حزب الرحمن .
الرسالة الأخيرة ..لدعاة الإسلام ..وهداة الأنام ..إنكم مطالبون بأداء الأمانة ، ونصح الأمة ، وبذل الجهد ، وإفراغ الوسع في مناصحة من ابتلي بسماع الأغاني أو بيعها والذهاب إليهم .. وزيارتهم في أماكنهم ..وحثهم على ترك هذا المنكر العظيم ..الذي يخشى أن تعاقب الأمة كلها بسببه بخسف أو مسخ ـ عياذا بالله من ذلك ـ وتصور عظيم الأجر ..حينما يقلع تاجر عن بيع مثل هذه الأشرطة ..فكم من الأجر العظيم ستناله ؟ والشر العميم الذي قد أوقفته ؟ فلا تحرم نفسك الخير ..وكن مفتاحا للخير ..مغلقا للشر يقول الله تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) )
هذا وصلوا رحمكم الله على النبي العظيم
[1] منهاج السنة (4/439) .
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،
أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون:
إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فبعد تعب وجهد وعناء تميل النفوس إلى التجديد والتنويع، وترنو إلى الترويح واللهو المباح دفعاً للكآبة ورفعاً للسآمة ليعود الطالب بعدها إلى مقاعد الدراسة بهمة وقادة، ويرجع الموظف إلى عمله بعزيمة وثابة ذلك أن القلوب إذا سئمت عميت.
والإجازة - يرعاكم الله - تجديدٌ للنشاط وإذكاء للحركة وصفاء للأذهان وترويض للأجسام وتعليل لها حتى لا تصاب بالخمول والركود، فيصبح جسماً هامداً وعقلاً غائباً.
عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً: فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ؟!."
قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ". [رواه البخاري] ."
هنا يبين الإسلام عن مراعاةٍ لحاجات الإنسان النفسية ومتطلباته الروحية.
الإسلام دين السماحة واليسر، فهو يساير فطرة الإنسان وحاجاته، فحين شاهد النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة يلعبون قال:"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنفية سمحة". [رواه أحمد] .
فبعض الناس لا يرى في الحياة إلا الجد المرهق، والعمل المتواصل، وآخرون يرونها فرصة للمتعة المطلقة والشهوة المتحررة، وتأتي النصوص الشرعية فيصلاً لا يشق له غبار، فيشعر بعدها هؤلاء وهؤلاء أنّ هذا الدين وسط، وأن التوازن في حياة المسلم، مطلب قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا...) . [سورة القصص، الآية: 77] .
يا عباد الله:
نعم، إنها الموازنة المطلوبة بين سائر الحقوق والواجبات، فها هو الإسلام يراعي الإنسان عقلاً له تفكيره، وجسماً له مطالبه ونفساً لها أشواقها.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:"كأن النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا". [رواه البخاري ومسلم] وفي رواية:"كان يتخولنا أن نتحول من حالة إلى حالة".
لأن السآمة والملل يفضيان إلى النفور والضجر.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"إنّ القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم". ويقول أيضاً:"روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أُكره عمي".
ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه:"إني لاستجم قلبي باللهو المباح ليكون أقوى لي على الحق".
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا عليه وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال".
وهذا إمامهم وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول:"يا حنظلة، ساعة وساعة". [رواه مسلم] .
وربنا سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 32] .
وبعد قراءة أحوالهم واستقراء سيرهم يحدد لنا سلف الأمة ضوابط اللهو المباح والترويح، فهاهم يروّحون عن أنفسهم فلا يتجاوز أحدهم حدود الشرع المطهر، وذلك كله بعيداً عن المحرمات أو المكروهات.
ولم يكن ترويحهم هدفاً لذاته، بل كان وسيلةً لتجديد الهمّة مع تصحيح النية لعمل أفضل وإنتاج أكمل، لذا لم يكن ترويحهم لمجرد تزجية الأوقات وتضييعها، وإمضاء الساعات دون مردود يقوي الجسم وينمي العقل.