فرحمةُ الله عليهم أجمعين { رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّبُ فيه القلوبُ والأبصار } هؤلاء هم المستقيمون حقاً وهم المسابقون صدقاً فما أعظمَ جزاءهم وما أرفعَ منزلتهم { إِن الذين قالوا ربنا الله ثم * فلا خوفٌ ولا هم يحزنون .. أولئك آصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون } .. وقال سبحانه وتعالى { إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا تتنزلُ عليهم الملائكةُ ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنةِ التي كنتم توعدون .. نحن أولياءوكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون نزلاً من غفوراً رحيم } .
اللهم اجعلنا من أولياءك المقربين .. وحزبك المفلحَين .. اللهم أعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن
أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رَبَّ العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان .. أما بعد:
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ واستقيموا إليه واستغفروه لعلكم تفلحون .
أيها الإخوة: إن المسلمين الأصحاء حينما يودعون شهراً كرمضان ويستقبلون شهراً كشوال يتذكرون حقَّ التذكر أن رمضان كان موسماً مباركاً للطاعات ، والتقرب إلى الله بأنواع العبادات ولكنهم يتذكرون في الوقت نفسه أَن الله الذي جعل رمضان ميداناً للتنافس في الخيرات هو الذي هيأ ما تبقى من أجزاء الزمان لكي يشغلها المسلم بما يرضي رَبَّه ويصلح أمره في دينه ودنياه ، فواجبٌ عليه ألاّ ينكص عليه عقبيه بعد رمضان ليتفلّت من واجب أو ليهمل في عبادة ، بل هو يواصل أعمالَ البر وخصالَ الخير مستعيناً بالله متوكلاً عليه جاعلاً وصيةَ رسول الله ـ r ـ أمام ناظريه حين قال: ( قل آمنتُ بالله ثم أستقم ) متذكراً أنه سيغادر هذه الدنيا إلى الآخرة وستصيبُه مصيبةُ الموت عندها { يتذكر الإنسان وأني له الذكر يقول يا ليتني قدمتُ لحياتي } ويقول ياليتني عملت بطاعة الله ولم أفرّط في جنب الله ويتمنى أن يرجع ليعمل ولكن هيهات حَضَرَ الأجل ، وانقطع العمل { فاليوم لا تظلمُ نفسٌ شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون } .
اللهم إنا نسألك أن تصلح قلوبنا ، وتنوّرها بنور الإيمان .. اللهم أهدنا ويَسِّرِ الهدى لنا .
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، ها نحن نودع رمضان، ولم يبق منه إلاّ ساعات قلائل. نعم، بالأمس القريب كان معنا، كنا نستنشق عطره، ونسعد في أفيائه، ونتقلّب في ضروب نعمائه. بالأمس القريب كنا نغترف من بركاته، ونخوض في بحار حسناته، ونرجع كل ليلة بجرّ الحقائب بما حملنا من خيراته. بالأمس القريب كنا نقطف من روضه زهور الإيمان، ونجد في رحابه الأنس والاطمئنان، كانت تحلق فيه الأرواح، وتطير من غير ما جناح. واليوم، أين هو شهر رمضان؟ ألم يكن منذ لحظات بين أيدينا؟ ألم يكن ملء أسماعنا وأبصارنا؟ ألم يكن هو حديث منابرنا، زينة منائرنا، بضاعة أسواقنا، مادة موائدنا، سمر أنديتنا، حياة مساجدنا، فأين هو الآن؟ أين حرق المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجّدين في أسحاره؟ أين خشوع المتهجّدين في قيامهم ورقة المتعبدين في صيامهم؟ أين أقدامٌ قد اصطفت فيه لمولاها؟ أين أعين جادت فيه بجاري دمعها؟ أين قلوب حلّقت فيه بجناحين من خوف ورجاء وسارعت إلى مرضاة ربها تلتمس النجاء؟ أين أيام كانت حياة للحياة وليال كن قلائد في جيد الزمان؟ لقد تولّت كما تولّى غيرها، وتقضّت بما فيها، ولم يبق إلا الندم والأسى.
تذكرت أيامًا مضت ولياليا خَلتْ فجرتْ من ذكرهنّ دموعُ
ألا هل لَها يومًا من الدهر عودةٌ وهل لِي إلى يوم الوصال رجوعُ
وهل بعد إعراض الْحبيب تواصلٌ وهل لبدور قد أفلن طلوعُ
أتَذكُر ـ أيها الأخ الحبيب ـ سويعات كانت من الصفاء أصفى ومن الشّهد أحلى؟! أما يحنّ فؤادك إلى دمعات كنتَ سكبتها وعبرات من خشية الله قد أذريتها؟! أما يهتزّ قلبك شوقًا إلى لحظات صَفَت فيها نفسك وحلّقت روحك، حتى كأنك تجاوزت الأرض وترابها وتنشّقت روائح الفردوس وعطرها؟! أما يعظم أسفك على أيام رفعت فيها يديك مناجيًا مولاك، فأطرق رأسك ذُلاًّ واغرورقت بالدمع مُقلتاك؟! لقد مضى ذلك كله، وطوي بساطه، ومرّ كأن لم يكن، وعاد ذكرى في النفس بعد أن كان واقعًا يشهده الحسّ، وبقيت في النفس حزازاتُ أسى وألم على فراق راحل عزيز.
أترحل لا الصحب منك ارتووا ولا امتلأت منك المُقلتان
أترحل والقلب بعد مشوق له لغة من هوى وحنان
فيا لفؤادي إذا حركته رؤى ذكريات لطاف حسان
وأصداء ماض تولّى حبيب وأطياف شهر طواه الزمان
أيها المسلمون، لقد كان ما كان وانقضى الشهر، وخرج الناس من رمضان وهم فريقان: فريق نصح فيه لنفسه وقام بحق ربه، فصامه إيمانًا، وقامه احتسابًا، وتحرّى فيه مراضي مولاه، وتجنّب مظانّ سخطه، لم يفرط في دقائقه، ولا أرخى لنفسه زمام هواها، قد اغتسل فيه من ذنوبه، وتطهّر من أوزاره، وخرج منه يترنّم:
اليوم ميلادي الجديد وما مضى موت بُلِيت به بليل داجي
إني سريت إلى الهداية عارجًا يا حسن ذا الإسراء والمعراج
وفريق آخر تمنى على الله الأماني، وأتبع نفسه هواها، فأمضى نهاره في سهو وليله في لهو، أطلق لبصره العنان، وأرهف سمعه لمساخط الديان، لم يرع للشهر حرمته، ولا عرف له حقّه، وكم نُصِح فما قبل النُصح، ودُعِي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، شَاهَد الواصلين فيه وهو متباعد، ومرّت به زمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم، وهيهات هيهات.
وما أحوج الفريقين ـ أيها الأحبة ـ إلى المحاسبة الدقيقة والوقفة الصادقة، فأما المفرّط المقصّر فيندم ويتوب، ويستغفر ويؤوب، فعساه إن لم يدرك الخير كله أن يدرك بعضه، وعسى أن يعيش قابل أيامه في طاعة وبرّ منتظرًا عامًا جديدًا ورمضان آخر. وأما المطيع المجد فيهتم لقبول عمله، ولقد كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، وهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:60] .
روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سعيد أن عائشة زوج النبي قالت: سألت رسول الله عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (( لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) ).