يسأل القارئ: فيصل حسين ـ مركز السنبلاوين، دقهلية يقول: أنا طالبٌ في كلية أصول الدين قسم الحديث، وقد أشكل عليَّ حديثٌ في الرقية من احتباس البول، هل الاختلاف الواقع فيه يضره من جهة صحته أم لا؟
والجوابُ بحول الملك الوهاب: أنّ هذا الحديث لا يثبتُ.
فهذا الحديث أخرجه النسائيُّ في «اليوم والليلة» (8301) ، والحاكمُ (4/812 - 912) عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم. وأبو داود (2983) ، ومن طريقه اللالكائيُّ في «شرح الاعتقاد» (846) . وابنُ حيان في «المجروحين» (1/803) . وابنُ عديٍّ في «الكامل» (3/4501) عن محمد بن الحسن بن قتيبة، قالا: ثنا يزيد بن خالد بن موهبٍ والحاكمُ (1/343 - 443) عن يحىى بن بكيرٍ. وابنُ عديٍّ (3/4501) عن خالد بن قاسمٍ. والطبرانيُّ في «الأوسط» (6368) عن عبد الله بن صالح. قالوا: ثنا الليث بن سعدٍ، قال: حدثني زيادة بن محمد الأنصاريّ، عن محمدٍ بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد. عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل فذكر له أنه احتبس بوله، فأصابته حصاة البول، فعلمه رقية سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع فيبرأ، وأمره أن يرقيه بها فرقاه فبرأ».
وقال الطبرانيُّ: لا يروي هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرّد به الليث بن سعد». فقد رواه عن الليث بن سعد جماعةٌ منهم: يزيد بن خالد، ويحيى بن بكيرٍ، وعبد الله بن صالحٍ، وخالد بن قاسمٍ، وخالفهم ابنُ وهب، فرواه عن الليث بن سعدٍ وابن لهيعة، كليهما عن زيادة بن محمدٍ، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ، عن أبي الدرداء فذكره. فسقط ذكر «فضالة بن عبيد» أخرجه النسائيُّ في «اليوم والليلة» (7301) قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى. وابن عدي (3/4501) عن أحمد بن عمرو، وأحمد بن سعيد قالوا: ثنا ابن وهب بهذا وأبهم النسائي ذكر «ابن لهيعة» كعادته في ترك تسميته لضعفه الشديد عنده.
وصحَّح الحاكمُ إسناده! وليس كما قال؛ فقد صرَّح الحاكم أنه قليلُ الحديث، ومع قلة حديثه، فقد طعن العلماء عليه. قال البخاريُّ: «منكر الحديث» وقال ابنُ حبان: «منكرُ الحديث جدًا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك» . وقال ابنُ عديٍّ: «لا أعرفُ له إلا مقدار حديثين أو ثلاثة، ومقدار ماله لا يتابع عليه» . والرجلُ إذا كان قليل الحديث، ومع ذلك لا يتابع على رواياته فهو متروكٌ. وبهذا حكم البخاري وغيرُهُ وله إسنادٌ آخر. أخرجه النسائيُّ في «اليوم والليلة» (5301) قال: أخبرنا عبد الحميد بن محمد قال: ثنا مخلد قال: حدثنا سفيان عن منصور عن طَلْق عن أبيه أنه كان به الأسرُ فانطلق إلى المدينة والشام يطلب من يداويه فلقي رجلاً فقال: ألا أعلمك كلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ربنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع فيبرأ.
والأسرُ؛ هو احتباس البول. ووالد طلق بن حبيب لا صحبة له. وقد رواه شعبة بن الحجاج قال: أخبرني يونس بن خبَّابٍ، قال: سمعتُ طلق بن حبيبٍ، عن رجلٍ من أهل الشام، عن أبيه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم كان به الأسرُ... الحديث. أخرجه النسائي أيضًا (6301) وصحَّح الحافظ في «الإصابة» (1/013) هذه الرواية، وَوَهَاؤها ظاهرٌ فيونس بن خبَّاب، فيه مقالٌ مشهورٌ، وفي الإسناد مجهولان. وليس المقصودُ من تصحيح الحافظ لهذا الوجه، أنه صحيحٌ، فإن ضعف السند أو وهاءه لا يخفى على صغار الطلبة فضلاً عن الحافظ وهو العلم المفردُ، وإنما معناه أنه أولى بالتصويب من الوجه الآخر، لا أنه صحيحٌ، وهذه جادَّةٌ مطروقةٌ عند علماء الحديث، فيذكرون حديثًا ما وقع فيه اختلاف، وكل أسانيده لا تثبت فيقولون عن وجهٍ منها: هذا أصحُّ شيءٍ، ويعنون أقلهُ ضعفًا، فهو بالنسبة لما هو أضعف منه يعدُّ صحيحًا لا أنه صحيحٌ في نفسه، كما تقول أنت إذا مدحت رجلا: «أعور بين عميان» فلا شك أن الأعور أصحُّ من الأعمى، وإن كان الأعور معيبًا بذلك في نفسه إذا قيس بالصحيح. وبالجملة فلا يثبتُ هذا الحديث. والله أعلم