فهرس الكتاب

الصفحة 7984 من 9994

ولابد من العفو و الصفح والمسامحة و التجاوز. فالخطأ وارد و المسامحة خلق فاضل، والصفح والعفو من أخلاق العظماء. ولابد أن يحصل الخطأ منك أو عليك، و ربما نالك من خطأ الأقربين ما يحتاج منك إلى جميل العفو و كريم الصفح و في التنزيل (( وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) ( التغابن: 14)

بارك الله لي و لكم في القرآن.

الخطبة الثانية

يا أيها القلقون الكابدون استأنسوا بذكر الله على آلام المكابدة، فطالما خاضت ألسنتكم بكل شيئ إلّا الذكر وبذكر الله تطمئنّ القلوب، كم يفرّج ذكر الله من كربة و يزيل من غمة، و ويل للقاسية قلوبهم، ومساكين من شحّت عليهم ألسنتهم عن ذكر الله، و قلب الذي يذكر الله و الذي لا يذكر الله كمثل الحي والميّت (( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) ) (البقرة: 152) .

و في القرآن شفاء لما في الصدور، و نور للقلوب، و لا غرابة أن تكثر هموم الهاجرين لكتاب الله، أنه القرآن هداية و بصائر، ورحمة و ذكر، فاليكن لك من كتاب الله نصيب، فهو نعيم الأنيس في الوحشة، و الرفيق في الخلوة، والصاحب في الغربة.

أيها المسلم: كيف يزيد قلقك و أنت تؤمن بقضاء الله و قدره، فما أصابك لم يكن ليخطئك، و ما أخطأك لم يكن ليصيبك. و كيف تضجر و رزقك و أجلك مسطوران في الكتاب - ألا فاعمل فيما يفنى لما يبقى، واصرف همّك للآخرة فهي المستحقّة للعناء، إذ هي دارالبقاء.

يا أيها العقلاء والاستخارة و الاستشارة تخففان من القلق، و هما سبيلان للراحة و حسن المنقلب..إنك تستخير الله العليم الخبير في أمور لا تدري ما نهايتها..و تسلّم الأمر لله في تقدير ما ينفعك في الدنيا و الآخرة..أليس ذلك سبيل للراحة والاطمئنان؟ وأنت في الاستشارة تستفيد من عقول الآخرين و لا تُحرم تجارب المجرّبين، و إذا تشابهت ظروف الحياة كان لأهل التجربة رأيهم، و خليق بالعامل أن يستفيد منهم..إنها هدايا بلا ثمن، مكاسب تخفف من المكابد و القلق.

ومع ذلك فالدنيا ..يا ابن آدم..مركب للسهل والصعب، و ميدان للسرور والحزن، و ينقلب أصحابها بين الصحّة و السقم، و الشباب و الهرم، والفقر و الغنى، و من سرّه زمن ساءته أزمان، لا بد من ترويض النفس على إقبال الدنيا بالشكر وإدبارها بالصبر، لا بد من توقع المفاجئات و لابد من الصبر و اليقين عند الصدمات..

إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه..ألا فليكن كدحك في مرضات الله، وليكن نصيبك في هذه الدار سبيلا لراحتك يوم تلقى الله..

ألا كم من مغرورو غرّته هذه الحياة فألقته المنايا في مهاوي الردى. و فكّر و قدّر فإذا بالروح تبلغ الحلقوم فندم على التفريط و لكن هيهات من التعويض!

ألا إنّ سعيكم لشتّى فانظر أيها العاقل في نوع سعيك، و هل أنت ممن يزرع الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المكر، ويعين على نوائب الحقّ، أم أن سعيك إفساد في الأرض، و ظلم للخلق، و نسيان للخالق، ألا فاعلم أن سرّك و نجواك، وظاهرك و باطنك لا يخفى على الله منه شيئ: (( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) ) (طه: 7) .

(( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (النمل: 75)

يا ابن آدم و مهما ابتلاك الله بشيئ من رزايا الدهر و مصائب الزمان، فلا تظنّ بربك الظنون السيّئة..فلعلّ الله أراد بك خيرا وأنت لا تشعر، و لعلّ حسناتك قصرت بك عن منزلة عليّة أرادها الله لك فبلغك إيّاها بهذه المصائب. ألا فاصبر واحتسب وفي الحديث: (( من يرد الله به خيرا يصب منه ) ) [1] .

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا، قال: (( أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: ذلك إن لك أجرين؟ قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى-شوكة فما فوقها- إلا كفر الله بها سيّئاته و حطّت عنه ذنوبه كما تحطّ الشجرة ورقها ) ) [2]

هكذا يعلّمنا نبيّنا أجر المصائب و عواقب الأذى..

أللهم لا تحرمنا أجرك، و ارزقنا الصبر واليقين على أقدارك واجعلنا من سعادة الدنيا إلى سعادة الآخرة، ولا تجعلنا من الخاسرين...

[1] رواه البخاري .

[2] متفق عليه .

الحمد لله رب العالمين؛ اتصف بالكبرياء والعظمة ، وتفرد بالجبروت والقهر والقوة ، فقال سبحانه في الحديث القدسي (( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحدة منهما قذفته في النار ) )أحمده حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ كتب البلاء على المؤمنين؛ تكفيرا لسيئاتهم، ورفعا لدرجاتهم (( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) (الأنبياء: 35)

وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله ؛ اصطفاه ربه نبيا ورسولا ، وجعله عبدا شكورا، ولما تحزبت الأحزاب وحاصروا المدينة، وعظم الكرب ، واشتدت المحنة لجأ إلى الله تعالى فدعاه قائلاً: (( اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ) )صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فهي العدة للبلاء والمحنة (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ) ) (الطلاق: 2) .

أيها الناس: العلو على الناس، والفساد في الأرض، هو حصيلة قناعات عقلية ، واعتقادات باطنية بالتميز والتفوق، تقود إلى الكبر، ثم إلى العلو والفساد ؛ ولذا جاء الإسلام بحسم هذه المادة الفاسدة، واستئصلها من نفوس البشر، وذلك ببيان أن أصل البشر وجنسهم واحد ، وأن التفاضل بينهم بالإيمان والعمل الصالح (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) (الحجرات: 13) .

وما كان هذا النداء العظيم، وهذا البيان الكبير الذي جاء في الكتاب العزيز إلا حماية للبشر من الكبر والعلو أن يسري إلى قلوبهم، ويفتك بأخلاقهم ، فينتج عنه الفساد والدمار، واستسهال قتل الناس ، واسترخاص الدماء ، وتسويغ كل أشكال الحروب والدمار، كما وقع كثيرا - ولا يزال يقع - بأيدي الصهاينة الإنجيليين، والصهاينة التوراتيين، فقتل واحد من أفرادهم أو أسره يقيم الدنيا ولا يقعدها، وقتل مئات من غيرهم، وأسر آلاف من رجال ونساء، وملئ السجون بهم، وتدمير بلدان ، وتشريد أمم ، وتيتيم أطفال، وترميل نساء ، لا يحرك ساكنا، بل هو أمر مشروع ، ودفاع عن النفس، ما دام هذا الدمار على غير جنسهم وعرقهم.

إن شريعة الإسلام قد أبدت وأعادت في صفة الكبر الذميمة وبينت أنها سبب للآثام ، وطريق إلى رفض الحق ، ونصر الباطل، وغمط الناس؛ والله عز وجل قال لإبليس الطريد اللعين حين أخرجه من الجنة بسبب كبره (( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) ) (الأعراف:13) .

فعامله الله تعالى بنقيض ما أراد من العلو والعظمة ، وكتب عليه الصغار أبدا ، والصغار أشد الذل والهوان، وفي الآية الأخرى (( قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً ) ) (الأعراف:18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت