8-للعبرةِ أسوقُ هذا النموذجُ في الغيرةِ في الحيوانِ لا في الإنسان، فقد ساقَ الحافظُ ابن حجر في الفتحِ روايةً عن أبي عبيدةَ معمر بن المثنى في كتابه (الخيل) من طريقِ الأوزاعي: أنَّ (فهَراً) أنزوى على أمهِ فامتنع، فأدخلت في بيتٍ وجُللت بكساء، وأنزوى عليها فنزى، فلمَّا شمَّ ريح أمِّه عمد إلى ذكرهِ فقطعهُ بأسنانه من أصله . (الفتح 7/161) .
عبادَ الله: والأسبابُ كثيرةٌ ولكنها تكادُ تنحصرُ في الإهمالِ والتفريط، وضعف التربيةِ وغياب القوامة، وعدمِ تقديرِ العواقب، وقلةِ الوعي، وعدمِ الاستفادةِ من الأحداثِ الواقعة، والمبالغةِ في الترفِ، وضعفِ الوازعِ الديني.
أيَّها المسلمون: ومن طُرق العلاجِ تقويةُ الوازع الديني، وتذكيرُ المجتمعِ الصغيرِ والكبيرِ بآثارِ الزنا واللواط في الدنيا والآخرة.
والعنايةِ بالتربية عموماً والتركيز على قيمةِ الأخلاقِ وصونِ الأعراضِ خصوصاً، فهي الشرفُ والكرم، والمجدُ والسؤدد، وما سواها مأثمٌ ومغرم، وعيبٌ ومنقصة، لابدَّ أن تسمعَ المرأةُ أن عرضها شرفها، وعفافها جمالها، وأنَّ الذئابَ إذا افترستها تركت بصماتِ العارِ عليها وعلى أسرتها، وبقيت فضيحةُ الدهر تلُوكها الألسن ؟ ولابُدَّ أن يقالَ للرجلِ الهاتكِ للأعراضِ الآخرين، أترضى الفضيحةَ لأمِك وأختك وابنتك، إن كنتَ لا ترضاها لنفسك فكذلك الناس .
يا قيَّم البيت أنت أمينٌ ومؤتمن، وراعٍ ومسترعى، فهل حفظت الأمانة ؟ ووعيت المسؤولية ؟ ما هي برامجكَ لأسرتك في سبيلِ البناءِ على كريمِ الأخلاقِ والخوفِ من الله ؟ وما هي أساليبكَ في الوقايةِ والتوعية ؟ هل جلستَ مع أسرتكَ مُنبهاً ومحذراً وواعظاً ومربياً، لاسيما في زمنٍ بات غيرُكَ يُربي ويوجِّه في عالمٍ أصبحَ كالقريةِ الواحدة، يُبصر مَنْ في أقصى المشرقِ ما يحدثُ في أقصى المغرب، فأين موقعكَ في التوجيهِ والرعاية، وابدأ بنفسكَ فانهها عن غيها، وصلاحك ووعيك -إن شاء الله- مؤشرٌ لصلاحِ من تعول، وتذكر (( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) ) (سورة الكهف/82) ، (( فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) ) (سورة الكهف/80) .
* ولابُدَّ _ في سبيلِ الوقاية _ من تركيزِ قيمةِ الأخلاقِ في المناهجِ الدراسيةِ
والبرامجِ الدعوية، لا يكفي أن نتلاومَ، ولا أن نُكثرَ الشماتةَ، ونسهمُ من حيثُ نشعرُ أو لا نشعرُ بنشرِ السلوكيات الشاذة.
* ولابُدَّ أن تسهمَ وسائلُ الإعلام بفاعليةٍ في التحذيرِ من التهتكِ الأخلاقي، وأن
تبرزَ آثار الجريمة، وأن تُعقد الندواتِ والمحاضراتِ التربويةِ والطبيةِ والاجتماعية، للحمايةِ من مخاطرِ الفاحشة.
* وإذا كان وازعُ القرآن مهماً _ فلابُدَّ من وازعِ السلطان، ووضعِ العقوباتِ الرادعة
لمن يحاولونَ التعدي على سياجِ الفضيلةِ ليكونوا عبرةً لغيرهم: (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) ) (سورة البقرة/179) .
* ولابدَّ أن يتضافرَ المجتمعُ كلهُ، بمؤسساتهِ الرسميةِ والمدنية، على محاصرةِ
الرذيلةِ وفضحِ أوكارِ المفسدين ، لابُدَّ من تقويةِ شعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، ودعمِ رجالِ الأمنِ والمحتسبين .
* ولابدَّ أن ندركَ أنَّ الأمةَ تحاربُ من عدةِ جبهاتٍ من الخارج، وإصلاحِ الجبهةِ
الداخليةِ وبناءِ الأخلاقِ مطلبٌ أساسي في هذا المعترك العنيف، إنَّ غيابَ القيمِ وتفككَ الأسرةِ في العالم الغربي أو الشرقي الكافر، يُشكلُ نقطةَ ضعفٍ في جبهتهم، وهم يشعرون بتميزِ المسلمين عنهم في هذا الجانب، فهل نتيحُ الفرصةَ لهم لنقل أمراضهم إلينا؟ وهل نسمحُ باختراقِ حصوننا ؟ إننا وإيَّاهم في منظومةِ الأخلاقِ والقيمِ في تحدٍ هل تكونُ أو لا تكون ؟.
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فهل نكونُ على مستوى إسلامنا في متانةِ الخلق، وحراسةِ الفضيلةِ ومحاربةِ الرذيلة، ذلك ذكرى للذاكرين، اللهمَّ احفظنا من كلِّ سوءٍ ومكروه .
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً .
عباد الله: اتقوا الله، فهي وصيةُ الله إليكم، وهي خيرُ لباسٍ في الدنيا، وخيرُ زادٍ إلى الآخرة . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18 ) ) ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ُيصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب: من الآية71،70) .
إنَّ من بالغِ حكمةِ الله عز وجل، أن يجعلَ عباده درجات ، بعضهم فوقَ بعض، يُقسِّمُ بينهم الأرزاق والأخلاق، ويتمايزون في العلمِ، وفي نظرتهم للحياة، وفهمهم لحقيقةِ ما خُلقوا من أجله، ثمَّ تمضي الحياةُ، وتطوي أعمارَ الناسِ فضلاءَهم ومفضوليهم ، ويصيرون إلى ربهم، فمنهم من أعتقَ نفسه، ومنهم من أو بقها، فمنهم من يُقال له: (( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) ) (الحاقة:24) ويقال لآخرين: (( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) ) (الطور:14) الحياةُ وأيامُها الغاديات الرائحات، هبةُ الله لعباده، وهي كذلك بلاءٌ لهم واختبار ؛ كيف يديرونها؟ وكيف يعيشونها ؟ (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) )أجل فاللهُ عزَّ وجل يهبُ عبده الحياةَ، ويمدَهُ بأسبابها ليبلُوه، لينظرَ كيف يعمل؟ كيف يتصرف؟ كيف يمضيها ؟ يقولُ ابن القيم:"والناسُ قسمان علية شريف: وهو الذي عرف الطريقُ إلى ربه، وسلكها قاصداً الوصول إليه، وهذا هو التكريم. وسفلةً لئيم: هو من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيمُ الذي قال الله فيه: (( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) ) (الحج: من الآية18) ففهم الحياةَ على حقيقتها، وتحقيقُ العبوديةَ: التي هي علةُ الإيجاد ، وغايةُ الخلقِ ؛ والتزامُ الحقِّ، والدفاعِ عنه ، والجدَّيةُ في الالتزامِ بالإسلام، هي معارجُ النجاةِ في الدنيا والآخرة، وهي كذلك سرُ عزِّ الأمةِ، وسبب قوتها ومجدها. فدولةُ الإسلام الأولى التي شيَّدها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنَّما قامت على أكتافِ الرجالِ الأشداء، ذوي العزمِ والجدِ، والصدقِ والإخلاص، كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمان، وعليٍ وأبي عبيدةَ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، أولئكَ الرجالُ، ومن شابههم من أفذاذِ الأمةِ في عصورها المتلاحقةِ، أسَّسُوا حياتهم على فهمٍ عميق، وإيمانٍ وثيق، وجدٍ متصل، فكان واحدهم كألف، بل إنَّ الأمةَ قد تمرُ بأزمةٍ شديدة ، أو منعطفٍ خطير، فإذا واحدٌ من أبنائها، وفردٌ من رجالها يمسكُ بزمامها، فيعصمها الله به من شرٍ عظيم، وخطرٍ ما حق. كما فعل الصدِّيقُ يومَ الردةِ، وكما فعلَ عُمرُ بن عبد العزيز حين غشَاها الظلمُ والجور ."