الحمدُ لله رب العالمين، يُضلُ من يشاء، ويهدي اللهُ من يُنيب، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك لهُ، يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصدور، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله، دعا الأمة إلى طريق الهدايةِ حتى وافاهُ اليقين، اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى إخوانهِ وآلهِ، وأرضِ اللهمَّ عن أصحابهِ وأتباعهم إلى يوم الدين.
إخوةَ الإسلام:
ومن أسبابِ الهدايةِ التفكرُ في مخلوقات الله، والنظرُ في ملكوتِ السموات والأرض، ولاشك أنَّ العاقلَ المتأملُ في هذا الكونِ، سيعودُ بعد رحلةٍ التأملِ مؤمناً خاشعاً لله، مهتدياً بهداه، فليست الطبيعةُ بقادرةٍ على هذا الخلقِ والإحياء، ويستحيلُ أن تكونَ الصدفةُ وراءَ هذا الكونِ والوجود، إلاَّ أنَّ الخلاقَ العليم تعترفُ به العقولُ، ويهتدي إليهِ أُولو الألباب، (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) (آل عمران: 191,190) ويتحدى الخالقُ العظيمُ أن يجدَ الناسُ في خلقهِ
عيباً، بل تعودُ الأبصارُ بعد رحلتها في عالمِ ا لوجود خاسئةً مطرقةً مستسلمةً لرب العالمين، (( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) ) (الملك:4) .
ويلفتُ الخالقُ نظرَ الإنسانِ للتأملِ في نفسه، (( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) ) (الذريات:21) .
ويزدادُ العاقلُ إيماناً بخالقهِ، وهو يرى عجائبَ قدرتهِ في نفسه، فلا يملكُ من أمرِ نفسهِ شيئاً، وتتحركُ أعضاؤهُ التي بين جنبيه بلا إدارةٍ منه، وتقومُ بأدوارها المرداة لها، دون رقابةٍ منه أو توجيه، أوَليس ذلك منتهى الإعجاز، وليس ذلك ببرهانٍ وطريق إلى الهداية والإيمان، لمن تأملَ وأرادَ اللهُ لهُ الخيرُ والتوفيقُ إلى الصراط المستقيم؟
ومن أسبابِ الهدايةِ رفقةُ الصالحين الأخيار، واختيارُ الأقران، فكم من ضالٍ هداهُ اللهُ على أيدي الصالحينَ الأخيار، وكم من فاجرٍ شاءَ اللهُ له الهدايةَ على أيدي أقرانٍ ما زالوا به، حتى سلكوا به طريقَ النجاة، وإذا كان المرءُ في هذه الحياةِ لابدَُّ لهُ من خليل، فلينظر أحدُكم من يُخالل، فإنَّ المرءَ على دينِ خليله.
ومجردَ محبةُ الصالحين، وحبُّ أفعالهم، توردُ المرءُ مواردَ الخيرِ إذا صدقت نيته. وتوجه قلبه: سُئل رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عن الرجلِ يُحبُ القومَ ولما يلحقُ بهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: (( الرجل مع من أحب ) ).
وليس بخافٍ عليك أخي المسلم أثرَ الجليسِ الصالح وجليسِ السُوءِ من خلالِ حديثِ حاملِ المسكِ ونافخِ الكير، وليس بخافٍ عليك كذلك أنَّ قرناءَ السُوء في هذه الحياةِ يكونونَ يومَ القيامة بعضهم لبعضٍ عدو: (( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ) (الزخرف:67) .
فاستعن بالله، واقترب من الأخيارِ جهدكَ وجاهد نفسك، وروضها على مصاحبةِ الأخيار، وانجُ بنفسك عن الأشرارِ، وأنقذها قبلَ العطب، فإنَّ ذلك عاملٌ مهمٌ في الهدايةِ إلى صراط الله.
وثمة سببٌ مهمٌ للهداية، ألا وهو الدعاء: سلاحُ المؤمنِ في الشدائد والقمةِ الكُبرى، بلا جهدٍ ولا ثمن، ومهما بذلتَ من أسبابِ الهدايةِ، فليكنِ الدعاءُ بالتوفيق والهدايةِ للصراطِ المستقيم ديدنك، ولا تسأم أو تستكثرِ الدعاء، فتقولُ: دعوتُ ودعوت، فلم يستجب لي، فتلك آفةٌ فاحذرها، فدعاؤك محفوظٌ فإمَّا أن يعطيكَ اللهُ ما دعوت، أو يصرفُ عنك من السُوءِ مثله، أو يدخرُ لك دعوتك حين تلقاهُ وأنت أشدُّ حاجةً إليها.
يقول الله تعالى: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ) (غافر:60) .
ويقولُ الله تعالى- كما في الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ) ).
والنبي- صلى الله عليه وسلم- كان لا يفترُ من الدعاءِ وهو المغفورُ لهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد علمنا من الدعاءِ كثيراً، ومنهُ حين القيامِ لصلاةِ الليل، فقد كان يقولُ: (( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات و الأرض، عالمُ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اللهمَّ اهدني لما اختلفَ من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم ) ).
فألحُّوا على الله بالدعاءِ معاشر المسلمين، واحرصوا على أوقاتِ الإجابة، أسألُ اللهَ أن يهدينا وإيَّاكم صراطهُ المستقيم، وأن يثبتنا عليه ما بقينا إنَّهُ جوادٌ كريم.
أيُّها الإخوةُ: وحيثُ علمتم أسبابَ الهداية، فبقى أن تعلموا عواملَ الثباتِ على دينِ الله.
[1] تفسير ابن كثير 3/327 .
[2] الحديث ذكر عبد الرزاق، وابن أبي حاتم وابن جرير، وقال الحافظ ابن كثير: ورد من طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً، والله أعلم. ( تفسير ابن كثير3/328) .
[3] تفسير ابن كثير 3/328 .
[4] حديث حسن أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما .. ( صحيح الجامع 5/162) .
[5] الحديث رواه صحيح الجامع 5/149 .
[6] حديث حسن رواه الطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، صحيح الجامع 5/163 .
[7] حديث حسن رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه إلا ما أبهل الغرص وأعظم الثمر (صحيح الجامع 5/ 34 ) .
[8] حديث صحيح رواه الطبراني عن الحسن رضي الله عنه، صحيح الجامع 5/291 .
[9] في ظلال القرآن 4/2215 .
[10] الفتح/8 وكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبه ( الإصابة 2/6) .
الحمد للهِ العظيم الرحمن، الكريمِِ المنان، المتفضلِ بواسع ِالرحمة والعطاءِ والإحسان، أحمدهُ سُبحانهُ وأشكره، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله، وصفيُّهُ وخليله، وخيرتهِ من خلقه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهِ، واقتفى أثرهُ إلى يوم الدين، وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
أمَّا بعد: فاتقوا الله عباد الله، اتقوهُ حقَّ التقوى، وراقبوهُ في سركم وعلنكم، واحذروا غضبهُ وعقابه، فإنَّ أجسادَكم على النارِ لا تقوى..