فهرس الكتاب

الصفحة 8909 من 9994

فما هذا العناء؟! كأنك لم تقرأ المعوذة، ولم تسمع مخاطبة الله عز وجل لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، في التقدمة إليه بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد.

أتطلب ويحك أثراً بعد عين، أو عطراً بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنباً من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل ، إنك إذاً أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم.

إن كنت تجهل ذلك، فأنت كمن أضله الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ فنعوذ بالله من الخذلان.

إنه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك، أحسن ما تكون عنده حالاً أقل ما تكون مالاً، وأكثر ما تكون عيالاً، وأعظم ما تكون ضلالاً، وأفرح ما يكون بك ، أقرب ما تكون بالمصيبة عهداً، وأبعد ما تكون من الناس حمداً.

فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزمنى، أهون من معاشرته، والاتصال بحبله.

والغل نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنه ليس فرع إلا له أصل، ولا مولود إلا له مولد، ولا نبات إلا من أرض، ولا رضيع إلا من مرضع، وإن تغير اسمه؛ فإنه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.

ورأيت الله جل جلاله ذكر الجنة في كتابه فحلاها بأحسن حلية، وزينها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحل أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ، فذكر في كتابه ما منّ به عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (5) .

فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغل والحسد من قلوبهم، فتهنوا بالجنة، وقابلوا إخوانهم على السرر، وتلذذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم، ونزع الغل من قلوبهم، ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسهم فيها النصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنه عز وجل فضل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنى العطيات.

فلما نزع الغل والحسد من قلوبهم ظن أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنة عهداً، أنه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم داراً بسلامة قلبه، ونزع الغل من صدره، فقرت عينه وطاب أكله؛ ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذنوب.

وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد وجهه، ولا الراحة إلا في صرم مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته.

فإذا فعلت ذلك فكل هنياً مرياً، ونم رضياً، وعش في السرور ملياً.

ونحن نسأل الله الجليل أن يصفي كدر قلوبنا، ويجنبنا دناءة الأخلاق، ويرزقنا حسن الألفة والاتفاق، وأن يحسن توفيقنا"."

18 ذو القعدة 1427هـ - 8/12/2006م.

الهوامش:

(1) رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم: 2888

(2) سورة النساء، الآية:54.

(3) سورة البقرة، الآية: 109.

(4) سورة الأعراف، الآية:12.

(5) سورة الحجر، الآيات 45-48.

التمسك بالسنة - الشيخ سالم العجمي

اعلم أن الخير كله في اتباع هدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واقتفاء آثاره في أقواله وأفعاله.

وعليك بالتمسك بالسنة فإنها النجاة والعصمة، واحذر أن تقدم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام أحد من الناس كائناً من كان، قال ابن مسعود رضي الله عنه:"نحن قوم نتبع ولانبتدع ونقتدي ولانبتدي ولن نضل ما إن تمسكنا بالأثر".

وقال الأوزاعي رحمه الله:"عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول".

واعلم أن المتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ينتفع الناس بعلمه وعمله في حياته وبعد موته، وأن صاحب الهوى مقطوع العمل ليس لعمله ولا علمه دوام ولا بركة، وهذا مصداق قول الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} شانئك: مبغضك، الأبتر: المقطوع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكل من شنأ شيئاً مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كان له نصيبٌ من هذه الآية، حتى قيل لأبي بكر بن عياش: إن هاهنا في المسجد أقواما يجلسون للناس. فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم".

فتأمل هذا الكلام الذي يكسوه نور النبوة.

واعلم أن اتباع السنة منجاة غداً بين يدى الله تعالى وسبب لورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم وحصول الشفاعة بعد رحمة الله تعالى وإذنه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"وتأمل قوله تعالى لنبيه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} كيف يفهم منه أنه إذا كان وجود بدنه وذاته فيهم دفع عنهم العذاب وهم أعداؤه، فكيف وجود سره والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم أو كان في شخص؟ أفليس دفعه العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى؟".

وأوصيك بالصدق في دعوتك، اصدق مع ربك وفي تدينك ومع الخلق في سلوكك ومعاملاتك ونصحك، يهدي بك الله خلقاً كثير، فالصدق منزلته عظيمة وشأنه كبير يجعل لك من المحبة والإجلال في قلوب الخلق ما الله به عليم.

قال ابن القيم:

"فشر ما في المرء لسان كذوب، ولهذا يجعل الله سبحانه شعار الكاذب عليه يوم القيامة وشعار الكاذب على رسوله سواد وجوههم، والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه برقعاً من المقت يراه كل صادق، فسيما الكاذب في وجهه ينادى عليه لمن له عينان، والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة ومقتاً، فمن رآه مقته واحتقره".

أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لاتباع سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، وأن يرزقنا شفاعته وورود حوضه.

الصديق المفقود - الشيخ سالم العجمي

(الغيرة) .. ذلك الصديق العزيز، الذي كنا ننعم ونأنس بسكناه بين أظهرنا ـ وقد عاش بيننا ـ فسار الكثير دون إدراك ولا تفكير.

صدقوني.. الوضع خطير.. خطير..

يحتاج إلى أناس يؤججون نار الغيرة في قلوبهم لاستدراك ما فات وإصلاح ما سيأتي.

هل ننتظر تدهوراً أكثر مما نحن فيه؟

هل نتوقع مستقبلاً أفضل مما نحن فيه؟

انظر.. يمينك.. شمالك.... أمامك.. خلفك...كل شيء يدفع للخوف من المستقبل القادم الذي نجهل حوادثه.

الوضع سيئ.. انهيار أسر.. تفسخ أخلاق.. موت فضيلة.. انتشار رذيلة.. وانعدام مبادئ..

أين القدوة الصالحة..؟ أين الموجه..؟

لقد فُقدوا في زحمة الفتن..!

ومن عجب أني أحن إليهمو وأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتبكيهم عيني وهم في سوادها ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

إن لم نحي جذوة الغيرة في قلوبنا.. فإننا سنحصد نتاج التفكك الأسري الذي نعيشه قريباً.. أقرب مما نتصور.

الوضع في انحدار.. عشر سنوات أنتجت عندنا مجتمعاً متغيراً ملوثاً.. فكيف لو طال بنا الزمان؟!

أين عقيدة الولاء للمسلمين؟ والبراءة من المشركين؟ أين هويتنا الإسلامية؟ أين العباءة الفضفاضة، والقفازات السوداء؟ أين الغطوة الساترة، أين السواد الذي يستر ما خلفه؟

واأسفاه.. لقد أصبح عند كثير من الناس ماضياً مشوهاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت