هذه بعض ثمار شجرة العلمنة الخبيثة على كثير من ديار المسلمين، فكم أثرت في الأجيال، وحرفت الرؤى والأفكار، ومع كل ذلك فهو كيد من كيد الشيطان، وقد وصف اللَّه تعالى كيد الشيطان فقال: (( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ) [النساء: 76] .
وإن كل مسلم في أي مكان وموقع يجب عليه أن يعمل جاهداً في وقاية نفسه وأسرته ومجتمعه من جميع وسائل التغريب والتضليل، وذلك بعمل برامج علمية وإيمانية للأبناء والبنات، وكذلك الانتقاء والاختيار في المادة المقروءة والمسموعة، وحجب منافذ الإفساد أن تصل إلى العقول والعواطف والغرائز، ثم تقوية الوعي والبصيرة بمعرفة الحق وأهله والباطل وأهله، والاستعانة على ذلك بطول التمعن بالآيات القرآنية الكاشفة لسبيل الضالين والمجرمين، وبمعرفة التاريخ وحوادثه، وعلى كل حال بالصدق والصبر والأخذ بالأسباب، وعدم استعجال الثمار والنتائج ستعلو راية الحق وينتصر أهله.
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: (( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ) [الحج: 78] .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
وللمستفهم أن يقول: كيف يكون بعض المسلمين دعاة على أبواب جهنم؟ فالجواب هو أنهم كذلك ببثهم الفساد والانحراف الأخلاقي: كإشاعة الفاحشة وتسهيل أسبابها، ومحاربة بيئة التدين في المجتمع من خلال وسائل الإعلام مثلاً، أو في مجال التعليم، بزرع المبادئ الهدامة بين الطلاب من خلال كوادر غير أمينة، أو من خلال منظري التطوير التعليمي في سائر البقاع، فيما يقدمونه من الحد والتقليص لما يقوي صبغة الله في نفوس الطلاب، (( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) ) [البقرة: 138] .
أو التقليل من شأن العلوم الشرعية، في مقابل الحرص الدءوب على تكثيف ما عداها.
ويكون الإفساد ببث أفكار تسيء إلى الإسلام وأهله، وتحارب الدعوة إليه، وتزدري الدعاة وتسخر منهم، وتنادي بعزل دين الناس عن دنياهم.
ويستنكرون أن تدخل الدعوة في علوم الطبيعة والرياضيات، ويتهمون المناهج في بلاد المسلمين أنها هي السبب في وجود بيئة التدين والدعوة، وكأنها جريمة لا تغتفر، حيث قال أحدهم في أحد الصحف المحلية:"فقد اصطبغت الكتب الدراسية جميعها بصبغة دينية"، إلى أن قال مستنكراً:"فلا تدرس مادة اللغة الإنجليزية مثلاً ذاتها، بل لتكون وسيلة للدعوة إلى الله، وتمتلئ كتب هذه المادة بالحديث عن الإسلام"أ هـ
أيها المسلمون:
إن هذا الحاقد على الدعوة والدعاة وغيره ممن يملؤه الغيظ على دين الله تبارك وتعالى لا يعدو قدره إن شاء الله، إلا أن الواجب على كل مسلم أن يقوم بما أوجب الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن دين الله، والإنكار بقدر الاستطاعة، والمرافعة الجادة لمحاسبتهم وتأديبهم، لأنهم ضد الأمة ودينها وأخلاقها، أما أن يترك الحبل على الغارب لكل دعي جاهل ليحارب الإسلام دون أن يقف من أهل الغيرة أحد في وجهه ووجه كل من سانده وأعانه فلا يسوغ أبدًا: (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) ) [سبأ:46] .
(( وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) [يوسف:21] .
وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] - أخرجه أبو داود في سننه برقم ( 3462 ) ، وأحمد في مسنده برقم ( 5007) ، والبيهقي في سننه برقم ( 10484 ) ،
وقد صحح الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع برقم ( 423 ) .
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المعز المذل الذي أعز أولياءه المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأيدهم بنصره المبين، فهو حسبهم وكفى بالله حسيباً.
وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله وخليله وأمينة، وخيرته من خلقه وسفيرهُ بينه وبين عباده، بعثه الله بالدين القويم، والمنهج المستقيم، وأرسله رحمةً للعالمين، وإماماً للمتقين، أرسله الله على حين فترةٍ من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، اللهم صلى وسلم على هذا النبي الكريم، وأرضي اللهم عن صحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتابُ الله تعالى، وخير الهدى هدي محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلاله وكلَّ ضلالةٍ في النار: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .
أيها المسلمون: إنَّ الدعوة إلى الله تعالى هي سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن دعى بدعوتهم إلى يوم الدين، من العلماء الناصحين، الدعاة الصادقين، قال عز وجل عن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) (يوسف:108) .
دعوةٌ واحدةٌ مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة، تستمدَّ قوتها ونصرها من القوي العزيز، فنعم المولى ونعم النصير، فالرسل عليم السلام دعاةٌ إلى التوحيد وإخلاص العمل لرب العالمين، (( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) ) (النساء:165) .
وذلك أن الفطر قد تتغير فينحرف بعض الناس إلى عبادة غير الله أو تحكيم الطاغوت، والمحاكمة إليه، فيقعون في الشرك والضلال البعيد، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب للدعوة إليه سبحانه، تذكيراً للغافل، وتعليماً للجاهل، ورداً للشارد عن منهج الله عز وجل ودعوته إلى الرجوع إليه، كما قال تعالى: (( وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) (يونس:25) .
(( وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ) ) (البقرة:221) .
(( دْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) )(إبراهيم:
عباد الله: لقد أرسى القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، وأشاد بوسائِلها وطرائقها، وما ذاك إلا لمكانتها وأهميتها.
أما رسول الله محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو المكلّف بدعوة الأمة من العرب والعجم والجن والإنس، فهو رسولٌ إلى العالمين، (( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) ) (الفرقان:1) .