يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] .
يقول: (( قال الله تعالى في الحديث القدسى: يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو أتيتنى بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) ( [10] ) .
أيها الحبيب...
اجتهد في الدنيا وَعَمِّر الكون واربح ما استعطت من أموال ولكن بشرطين أن تربح من حلال، وتؤدى حق الكبير المتعال.
اجتهد في الدنيا وازرع للآخرة، فأنا لا أريد أن أقنِّتك من هذه الحياة قط وإنما أريد أن أذكر نفسى وإياك بأن الدنيا مزرعة للآخرة، فلا ينبغى أن ننشغل بالدار الفانية على الباقية، فغداً سترحل عن هذه الحياة ولن ينفعك إلا ما قدمت.
(( يتبع الميت ثلاث: ماله، وأهله، وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله ) ) ( [11] ) .
وينادى عليك في القبر بلسان الحال:
رجعوا وتركوك و في التراب وضعوك
وللحساب عرضوك ولو ظلوا معك ما نفعوك
ولم يبقى لك إلا عملك مع رحمة الحى الذى لا يموت.
( [1] ) رواه الترمذى رقم (2321) فى الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل ، وابن ماجة رقم (2410) فى الزهد ، باب مثل الدنيا ، وهو في صحيح الجامع رقم (5292) .
( [2] ) رواه البخارى رقم (2320) ، في الحرث والمزارعة ، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه ، ومسلم رقم (1553) فى المساقاة ، باب فضل الغرس والزرع ، والترمذى رقم (1382) فى الأحكام ، باب ما جاء في فضل الغرس .
( [3] ) رواه الترمذى رقم (2308) ، في الزهد ، باب ما جاء في ذكر الموت ، والنسائى (4/4) ، في الجنائز ، باب كثرة ذكر الموت ، وهو في صحيح الجامع رقم (1210) .
( [4] ) رواه البخارى رقم (4449) ، في المغازى ، باب مرض النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ، ومسلم رقم (418) فى الصلاة ، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر، والترمذى رقم (978،979) ، في الجنائز ، باب ما جاء في التشديد عند الموت ، والنسائى (4/6،7) ، في الجنائز ، باب شدة الموت .
( [5] ) مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/255) .
( [6] ) رواه البخارى رقم (1377) ، في الجنائز ، باب التعوذ من عذاب القبر، ومسلم رقم (588) ، في المساجد ، باب ما يستعاذ منه في الصلاة ، والترمذى رقم (3599) ، في الدعوات ، باب الاستعاذة من جهنم، والنسائى (8/275،276) ، في الاستعاذة ، باب الاستعاذة من عذاب جهنم .
( [7] ) رواه البخارى رقم (1369،4699) ، في الجنائز ، باب ما جاء في عذاب القبر ، ومسلم رقم (2870) ، في الجنة ، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ، وأبو داود رقم (3231) ، في الجنائز ، باب المشى في النعل بين القبور ، والنسائى (4/97) ، في الجنائز ، باب مسألة الكافر .
( [8] ) رواه البخارى رقم (6507) ، في الرقاق ، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومسلم رقم (2683) ، في الذكر والدعاء ، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، والترمذى رقم (1066) ، في الجنائز ، باب ما جاء فيمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، والنسائى (4/10) ، في الجنائز ، باب فيمن أحب لقاء الله .
( [9] ) رواه البخارى رقم (1314) ، في الجنائز ، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء ، والنسائى (4/41) ، في الجنائز ، باب السرعة بالجنازة .
( [10] ) رواه الترمذى رقم (3534) ، في الدعوات ، وحسنه الألبانى في الصحيحة رقم (127) ، وهو في صحيح الجامع رقم (4338) .
( [11] ) رواه البخارى رقم (6514) ، في الرقاق ، باب سكرات الموت ، ومسلم رقم (2960) ، في الزهد في فاتحته ، والترمذى رقم (2380) ، في الزهد .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.. أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، وكشف الله به الغمة ، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعد:-
فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وذكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور.
طبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
حياكم الله جميعاً وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنى وإياكم في الدنيا دائما وأبداً على طاعته وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار كرامته.
إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شىء قدير..
أما بعد:-
فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع اللقاء الثامن عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاءات الخمسة الماضية على التوالي مع البشرية كلها وهي تقف كلها على بساط العدل في ساحة الحساب بين يدى الملك جل جلاله، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب بها الله في ساحة الحساب، وتعرفنا على أول أمة ينادى عليها لتحاسب بين يدي الله جل وعلا، وتعرفنا على أول من يقضي الله بينهم وعلى أول ما يحاسب عليه العبد، وعلى أول حق من حقوق العباد يقضي الله فيه بين الخلق، ثم تعرفنا في اللقاء الماضي على أصناف الناس فقلنا بأن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه ويحاسبه الله حساباً يسيراً، ومن الناس من يأخذ كتابه بشماله وراء ظهره ويحاسبه الله حساباً عسيراً.
ومن الناس من يدخل مباشرة من غير حساب ولا عذاب.
هل يا ترى بانتهاء الحساب تنتهي أهوال القيامة؟!!
كلا..!! كلا..!!
بل إذا انقضى الحساب أمر الله جلا وعلا أن ينصب الميزان فإن الحساب لتقرير الأعمال، وإن الوزن لإظهار مقدارها ليكون الجزاء بحسابه وليظهر عدل الله للبشرية كلها في ساحة الحساب فتوزن أعمال المؤمن لإظهار فضله، وتوزن أعمال الكافر لإظهار خزيه وذله على رؤوس الأشهاد وما ربك بظلام للعبيد.
والآن نسأل...
ما هو الميزان ؟!
ما الذى يوزن فيه؟!!
ما هي الأعمال التى تثقل في الميزان يوم القيامة؟!!!
هذه الأسئلة الثلاثة هي موضوع لقاءنا مع حضراتكم، والله أسأل أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أولاً: ما هو الميزان؟!