فهرس الكتاب

الصفحة 5147 من 9994

#رِحْلَةُ المُشْتَاقِ ..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي سهل لعباده إلى مرضاته سبيلاً ..

وأوضح لهم الهداية وجعل الرسول عليها دليلاً ..

ورضي لهم نفسه رباً .. والإسلام ديناً .. ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً ..

أحمده حمد من لا رب له سواه ..

وأشكره على جزيل فضله وعطاياه ..

وأشهد أن الحلال ما أحلَّه .. والحرام ما حرمه .. والدين ما شرعه ..

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..

الملك الحق المبين .. الذي يأمر وينهى .. ويفعل ما يشاء ..

وأشهد أن محمداً عبده المصطفى.. ونبيه المرتضى .. الذي لا ينطق عن الهوى ..

أرسله على حين فترة من الرسل .. فهدى به إلى أوضح السبل ..

أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها..وتألفت به القلوب بعد شتاتها ..

فصلوات الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار .. وصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار ..

أما بعد:

فهذه رحلة مع مشتاق .. نعم مشتاق إلى دخول الجنات .. ورؤية رب الأرض والسماوات ..

إنه حديث عن المشتاقين ..المعظمين للدين ..

الذين تعرض لهم الشهوات..وتحيط بهم الملذات..فلا يلتفتون إليها..

هم جبال راسيات .. وعزائم ماضيات .. عاهدوا ربهم على الثبات ..

قالوا ربنا الله ثم استقاموا ..

يرون الناس عن طريق الاستقامة يتراجعون .. وهم على طاعاتهم ثابتون ..

أعظم ما قربهم إلى ربهم .. ثباتهم على دينهم .. وسرعة توبتهم بعد ذنبهم ..

إنهم قوم .. إذا أذنبوا استغفروا .. وإذا ذكروا ذكروا .. وإذا خوفوا من عذاب الله انزجروا ..

يتركون لذة الملك والسلطان .. والمنعة والمكان ..

في سبيل النجاة من النيران .. والفوز برضا الرحمن ..

{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون } ..

هم بشر من البشر .. ما تركوا اللذائذ عجزاً عنها .. ولا مللاً منها ..

بل لهم غرائز وشهوات .. ورغبة في الملذات ..

لكنهم قيدوها بقيد القوي الكريم..يخافون من ربهم عذاب يوم عظيم..

عاهدوا ربهم على الطاعة لما قال لهم: { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .. فثبتوا على دينهم .. حتى ماتوا مسلمين ..

لم يفلح الشيطان في جرهم إلى خمر خمار .. ولا مخالطة فجار .. ولا سفر إلى بلاد الكفار ..

الناس يتساقطون في الحرام .. وهم ثابتون على الإسلام ..

فعجباً لهم ما أشجعهم .. وأقوى عزائمهم وأثبتهم ..

الكل يتمنى أن يعيش عيشهم .. إن لم يتمنى ذلك في الدنيا .. تمناه في الأخرى ..

ومن تشبه بهم .. فأراد الهداية المرضية .. والسعادة الأبدية ..

فلا ينبغي أن يقعد على أريكته .. وينتظر أن تنزل عليه الهداية من السماء .. أو يشربها مع الماء .. كلا .. بل عليه أن يسعى إلى تحصيلها .. ويبحث عن سبل اتباعها .. ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر ..

وقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .. فأمر بطلبها .. وسلوك سبلها .. للفوز بها ..

وانظر إلى ذاك الشاب النضر .. الذي نشأ في بيت عز وسلطان .. ومنعة ومكان ..

كان معظماً عند قومه .. مهيباً في بلده .. مقدماً بين أقرانه .. فريداً في زمانه ..

انظر إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه ..

كان مجوسياً .. يعبد النار وكان أبوه سيدَ قومه ..

وكان يحبه حباً عظيماً .. وقد حبسه في بيته عند النار ..

ومع طول ملازمته للنار .. اجتهد في المجوسية .. حتى صار قاطن النار الذي يوقدها ..

وكان لأبيه بستان عظيم .. يذهب إليه كل يوم ..

فشغل الأب في بنيان له يوماً في داره .. فقال لسلمان:

فانطلق إلى ضيعتي فاصنع فيها كذا وكذا ..

ففرح سلمان وخرج من حبسه .. وتوجه إلى البستان .. فبينما هو في طريقه إذ مرَّ بكنيسة للنصارى .. فسمع صلاتهم فيها ..

فدخل عليهم ينظر ماذا يصنعون ..

وأعجبه ما رأى من صلاتهم .. ورغب في اتباعهم ..

وقال في نفسه: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ..

فسألهم: عن دينهم ..

فقالوا: أصله بالشام .. وأعلم الناس به هناك ..

فلم يزل عندهم .. حتى غابت الشمس ..

فلما رجع إليه .. قال أبوه: أي بني أين كنت ؟

قال: إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم .. فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم .. ورأيت أن دينهم خير من ديننا ..

ففزع أبوه .. وقال: أي بني .. دينك ودين آبائك خير من دينهم ..

قال: كلا والله .. بل دينهم خير من ديننا ..

فخاف أبوه أن يخرج من دين المجوس .. فجعل في رجله قيداً .. ثم حبسه في البيت..

فلما رأى سلمان ذلك .. بعث إلى النصارى رسولاً من عنده .. يقول لهم: إني قد رضيت دينكم ورغبت فيه .. فإذا قدم عليكم ركب من الشام من النصارى .. فأخبروني بهم ..

فما مضى زمن حتى قدم عليهم ركب من الشام .. تجار من النصارى .. فبعثوا إلى سلمان فأخبروه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت