#الإيمان بالقدر وأثره
الإيمان
القضاء والقدر
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
ملخص الخطبة
1.الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة.2. علم الله بما يكون سابق على خلقه المخلوقات.3. لا يحصل أمر لا وقد علمه جل وعلا ورضي حدوثه.4. الفرق بين القضاء والقدر.5. المطيع يوفقه الله لطاعته ، والعاصي يخذله الله ويبعده عن مراضيه.6. عقيدة القضاء والقدر تورث المؤمن اطمئناناً ويقيناً.7. المرء من بين مخافتين: الخوف من السابق والخوف من الخواتيم.
الخطبة الأولى
فيا أيها المؤمنون: وصية الله لكم أن اتقوا الله، ووصيتي إليكم أن تتمسكوا بتقوى الله عز وجل وأن لا تلهينا الدنيا عن مقتضى تقواه ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله [النساء:131] ، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] .
أيها المؤمنون: إن الله جل وعلا جعل الإيمان به وهذا الدين مبنياً على أركان ستة عظام ألا وهي أركان الإيمان المعروفة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
فهذا الإيمان إذا اكتمل جعل العبد مؤمناً حقاً وإذا نقص من الإيمان ما نقص من جهة اليقين أو من جهة الأعمال فإنه ينقص من الإيمان بحسبه وإن من تلكم الأركان التي بها برد اليقين والتي بها اطمئنان المؤمن لكل ما يجري في هذه الحياة، إن من تلكم الأركان ركن الإيمان بقدر الله تعالى خيره وشره منه جل وعلا.
وهذا الركن الأعظم من أركان الإيمان به يحصل المؤمن على الطمأنينة وعن إجابة كثير من الأسئلة لأن العجز عن الإدراك إدراك قال جل وعلا: إنا كل شيء خلقناه بقدر [القمر:49] وقال سبحانه: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [الأعلى:1-3] وقال جل وعلا: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً [الفرقان:1-2] وقال جل وعلا أيضاً في آخر سورة الحج: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير [الحج:70] وقال أيضاً جل وعلا: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور [الحديد:22-23] .
والآيات في هذه المعنى عديدة وثبت في الصحيح أن النبي كان في أصحابه فجاءه جبريل عليه السلام يسأله عن الدين في غير صورته، في صورة رجل من الناس فسأله أسئلة فقال منها: أخبرني عن الإيمان فقال عليه الصلاة والسلام: (( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، قال جبريل: صدقت ) )وفي آخر الحديث قال عليه الصلاة والسلام للناس حوله: (( أتدرون من السائل؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ) ) [1] ، فدل على أن تعلم هذه الأركان وتعلم ما اشتمل عليه هذا الحديث إنما هو من الدين، وهل خطب الجمع وهل وعظ الواعظ وهل تعليم المعلم إلا لأمر الدين.
لهذا أيها المؤمنون: إن من أعظم الأركان كما ذكرنا الإيمان بالقضاء والقدر، وقد اختلفت الناس في أمر القضاء والقدر، والذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وكان عليه صحابة رسول الله أن القدر هو علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، علم الله السابق الأزلي بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته للأشياء مفصلة التي تقع، وذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعموم مشيئته النافذة في خلقه، وعموم خلقه جل وعلا للأشياء كلها، فهذا هو القدر عند الصحابة رضوان الله عليهم، وهو القدر عند أهل السنة والجماعة لهذا سار الإيمان بالقدر بأن تؤمن بعلم الله السابق الأزلي بالأشياء قبل وقوعها، فيؤمن المؤمن أن الله سبحانه لا يقع في ملكه شيء استئنافاً لم يكن علمه بل هو سبحانه علمه بالأشياء أزلي أول، لم يسبق ذلك جهل منه جل وعلا بما يقع، أراد الأشياء وعلمها فوقعت في ملكوته كما علم سبحانه وتعالى، ويؤمن المؤمن أن الله جل وعلا كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وكما أخبر بذلك ربنا جل وعلا في قوله: إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ويؤمن المؤمن بالقدر يعني يؤمن أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الناس لو اجتمعوا على أن ينفذوا أمراً لم يشأه الله جل وعلا في ملكوته لم يقع إلا كما شاءه الله جل وعلا، ما أراده كوناً فلابد أن يقع، ومشيئة العبد تحت مشيئة الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً يدخل من يشاء في رحمته [الإنسان:30-31] الآية فما شاء الله كان، ما شاءه العباد لا يكون إلا إذا أذن الله به فوقع كوناً لمشيئة الله جل وعلا له.