إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
لقد أرسل الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين فقام عليه الصلاة والسلام بواجب الدعوة إلى الله أتم قيام وقام وتحمل المسؤولية وتحمل الأذى في سبيل الله تعالى، فهيا بنا نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال سيرته العطرة، نرى كيف دعا النبي صلى الله عليه وسلم -وهو فرد واحد- في قريش والعالم كله ضده ونرى كيف استطاع في مدة وجيزة أن يوجد وأن يخرج خير جيل عرفته البشرية. ونبدأ من البداية منذ نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام رحمه الله: فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، [1] ولقد حبب إليه الخلاء فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، يقيم في شهر رمضان ويطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك، وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم.. ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى.. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ، دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما رواء الوجود من غيب مكنون حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله. [2]
الرؤيا الصادقة أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة - فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: (زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة: مالي وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي) . [3]
قال ابن حجر: وكان ذلك أى: انقطاع الوحي أياماً؛ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع وليحصل له الشوق إلى العود [4] فلما تقلصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف صلى الله عليه وسلم معرفة اليقين أنه أضحى نبياً لله الكبير المتعال، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء وصار تشوفه وارتقابه لمجيء الوحي سبباً في ثباته واحتماله عندما يعود، جاءه جبريل للمرة الثانية.