تذكّروا يوم الحساب، حيث تتفطر الأكباد وتنخلع القلوب، وتطيش العقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) . [سورة الحج، الآية: 1- 2] .
وأما الأمر الثالث: مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر، فهو الإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل الأبدي للخلق.
فأمّا دار النعيم، والتي أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى:"قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . [السجدة، الآية: 17] ". [أخرجه البخاري ومسلم] ."
وأما دار الشقاء، فهي كما قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) . [سورة الواقعة، الآية: 41- 44] .
إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
وأقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.
الخطبة الثانيّة
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين.
أما بعد:
فمما يلحق بعقيدة الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يسبق ذلك اليوم العظيم من أشراط الساعة وعلامتها، فالإيمان بتلك الأشراط من صلب العقيدة وأساسها.
ولا يتسع المقام لسرد تفاصيل تلك الأشراط وأنواعها، وإنما يكفينا أن نشير إلى بعض ما قرره العلامة السفاريني بقوله:"ثم اعلم أن أشراط الساعة وإماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:"
قسم ظهر وانقضى وهو الأمارات البعيدة ومنها بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم وموته، وفتح بيت المقدس، وقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال حذيفة:"أول الفتن قتل عثمان، ومنها خروج كذابين دجالين يدعون النبوة".
الإمارات المتوسطة: وهي التي ظهرت ولم تنقضي بعد، بل تزيد وتكثر، وهي كثيرة جداً كالتباهي في المساجد وتضييع الأمانة، وانتفاخ الأهلة وفي الصحيح من حديث انس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:"إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويقل الرجال وتكثر النساء".
وأشراط الساعة، وهي العلامات الكبرى التي تعقبها الساعة بعد ذلك، ومنها خروج المهدي، وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، وخروج الدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج النار من مقر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر سوقاً.
ومما يلحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، كفتنة القبر؛ وهي سؤال الميت بعد دفنه، إذ يُسألُ عن ربه ودينه ونبيه.
ومما يلحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه، وبما ورد في ذلك من النصوص الشرعية
ألا وصلوا وسلموا على نبيك الكريم، فإن الله تعالى أمر بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فيَا أيُّها المسلمُون:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله جلَّ وعلا، والصَّبر على ما قدَّر وقضى، والتسليم والرضا، فإن هذه من علامات السعادة والفلاح.
أيُّها الإخوةُ في الله:
حديثي إليكم الآن مكمِّلٌ لما سبق في الجمعة الماضية.
فلقد تحدثت فيما مضى عن المرض والمصائب التي تصيب المسلم والمسلمة، وأهمية احتساب الأجر والصبر على ذلك، حيث إنَّ مرض المسلم يذهب الله به الخطايا كما تُذهِبُ النارُ خبثَ الذهب والفضة، وذكرنا فوائد المرض وآداب المريض.
وأمَّا زيارة المريض للاطمئنان عليه، وتسليته والتخفيف عنه، فهي من أخلاق الإسلام العظيمة، وآدابه الكريمة، ومحاسنه الكثيرة، وكله محاسن، فلقد أمر الإسلام بها، وثبت أنها من حقوق المسلم على أخيه، قال البراء بن عازب رضي الله عنهما:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعيادة المريض". [متفق عليه] .
وقال صلى الله عليه وسلّم:"حقُّ المسلمِ علَى المسلمِ خمسٌ: ردُّ السَّلامِ، وعيادةُ المريضِ، واتِّباع الجنائز، وإجابةُ الدَّعوة، وتشميتُ العاطس". [متفق عليه] .
وفي فضلها وثوابها جاء عند مسلم عن ثوبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"إنَّ المسلمَ إذَا عادَ أخاهُ المسلمُ لَمْ يَزلْ في خرفة الجنَّة حتَّى يرجع. قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة؟! قال: جَنَاهَا". أي اجتناء ثمرها.
إنّ في عيادة المريض أجرٌ ومَغْنَم، وتسليةٌ ومواساة، وتخفيفٌ من الألم والمعاناة، وقيامٌ بحقوق المسلمين، وفي حديث قدسي:"يقول الله عزَّ وجل يوم القيامة: يَا ابنَ آدم: مرضتُ ولم تَعُدْنِي. قال: يا ربِّ، كيفَ أعُودُك وأنتَ ربُّ العَالمين؟! قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟! أمَا علمتَ أنَّكَ لو عُدتهُ لوجدتنِي عندهُ...". [الحديث بطوله رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] .
وقال صلى الله عليه وسلّم:"مَا مِن مسلمٍ يعودُ مسلماً غدوةً (أي أول النهار) إلا صلى عليه سبعونَ ألفَ ملَكٍ حتَّى يمسي، وإن عادهُ عشيَّةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنَّة". [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن] ، والخريف هو الثمر المخروف.
وعن جابر مرفوعاً:"مَن عادَ مريضاً خاضَ في الرَّحمة حتَّى إذَا قعدَ استقرَّ فيهَا". [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن] .
قال أهل العلم:"ومن أدب الزيارة أن يدعو للمريض".
فعن عائشة رضي الله عنها:"أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهمَّ ربَّ النَّاس، أَذهبِ البأسَ، اشْفِ أنتَ الشَّافي، لا شفاءَ إلا شفاؤُك، شفاءً لا يغادرُ سقماً". [متفق عليه] .
ومن آداب الزيارة:
• أن لا يقابل الباب عند الاستئذان.
• وأن يدقَّ الباب برفق.
• وأن لا يُبهم نفسه كأن يقول عند الاستئذان: (أنا) .
• وأن لا يأتي في وقت غير مناسب.
• وأن يخفِّف الجلوس إلا إذا كان المريض يرغب في جلوسه ويأنس به.
ومن آداب زيارة المريض:
• أن يقلل السؤال.
• ويغضَّ البصر.
• وأن يظهر الرِّقَّة.
• وأن يخلص الدعاء.
• وأن يوسِع للمريض في الأمل.
• ويشير عليه بالصبر لما فيه من جزيل الأجر.
• ويحذره من الجزع إن رأى منه ذلك.