فهرس الكتاب

الصفحة 7909 من 9994

أيها المسلمون: إن السعيد حقاً من حاسب نفسه على الدوام ولا سيما في آخر العام ففي مرور الشهور والأعوام وفي تعاقب الليل والنهار عظة وعبرة لأولي الأبصار فالدنيا تطوى من وراء الناس والموت مورد لا بد لهم منه وإنما المرء أيام مجموعة كلما مضى يوم ذهب بعضه ولا يبقى للعامل إلا ما صلح من عمله .

فعجيب حال هذا الغافل: ( يوقن بالموت ثم ينساه ، ويتحقق من الضرر ثم يغشاه ، أيخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، يغتر بالصحة وينسى السقم ويفرح بالعافية ولا يتذكر الألم يزهو بأيام الشباب وينسى الهرم اهتمامه بالعلم أكثر من اهتمامه بالعمل يطول عمره ويزداد ذنبه يبيضُّ شعره ويسودُّ قلبه يجمع المال من المتشابه والحرام ، ويسعى بقدميه إلى التفريط والإجرام ، ناسياً نزول الموت وحلول الأجل ، وشدة الكرب وانقطاع العمل حينما يتلجلج اللسان ويبكي الأهل والإخوان ، وهذا المحتضر لا يستطيع الكلام ، قد شخص بصره ، وبدا له عمله فإمَّا يُبشّر بروح وريحان أو جحيم ونيران .

نعم والله لتموتنَّ كما تنامون ، ولتُبعَثُنَّ كما تستيقظون ، فجنة للمطيعين ونار جهنم للعاصين: { أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فصلت40.

فأين من يتكاسل عن الصلاة ؟ وأين المصّرون على مشاهدة الأفلام والمحرمات ؟ وأين أصحاب الكبائر والموبقات . أما لهم بمن مضى عبرة ، أما علموا أن الموت يأتي بغتة .

قال الحسن رحمه الله: يا معشر الشيوخ: الزرع إذا استوى ما ذا يصنع به ؟ قالوا: يحصد ، قال يا معشر الشباب: كم من زرع قد ادركته الآفات قبل الاستواء . وقرأ رحمه الله ـ قول الله عز وجل: { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } ق17 فقال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ووكلّ بك ملكان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، فإذا مت طويت صحيفتك ، وجعلت في عنقك فتخرج يوم القيامة فيقال لك: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } الإسراء14 ثم قال رحمه الله: عَدَلَ ـ والله ـ من جعلك حسيب نفسك .

ألا فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ واختموا عامكم هذا بتوبة نصوح ، ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح .

جعلني الله وإياكم من التائبين ووفقنا لمحاسبة أنفسنا إنه جواد كريم .

هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم .

الخطبة الثانية

محاسبة النفس

الحمد لله الواحد القهار هدم بالموت مشيد الأعمار ، وجعل في اختلاف الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من عذاب النار . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه المهاجرين منهم والأنصار ، وعلى من تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار .

أما بعد:

فاتقوا الله ربكم وجاهدوا أنفسكم على فعل الواجبات وترك المحرمات وحاسبوها على التفريط والكسل واعلموا ( أن أضرَّ ما على المكلف: الإهمال والكسل وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها فإن هذا يؤدي به إلى الهلاك وهذه حال أهل الغرور ، يغمض عينيه عن العواقب ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة فإذا فعل ذلك سَهُلَ عليه مواقعة الذنوب وأنس بها وعَسُرَ عليها فطامها )

واعلموا رحمكم الله ـ أن من أشد ما يقسي القلب ويفسد العمر ويقتل الوقت صحبة البطالين والكسالى والهاملين أصحاب الجهالات واللهو والسهرات لصوص القلوب الذين يضيعون الزمن ويفسدون العمل ويسيئون الصحبة فإياك أن تجالسهم ففي أحضانهم تولد البطالة والرذيلة ضيّعوا أمر الله وأفنوا أوقاتهم في معصية الله فما أعظم خسارتهم وهكذا من لم يُشغل نفسه بالحق تشاغلت بالباطل فإلى من عزم على حفظ وقته وتجديد توبته أقول: عليك بصحبة الجادين العاملين والأخيار الناصحين والبررة الصالحين الذين يحرصون على أوقاتهم أشدّ من حرص الشحيح على دراهمه ودنانيره ـ وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم .

وفقني الله وإياكم لما يرضيه وهدانا جميعاً صراطه المستقيم إنه جواد كريم .

ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى نبينا محمد بن عبد الله القرشي إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين . اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الطيبين وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الخطبة الأولى

الحمد لله قدّر الأمورَ وقضاها، وعلى ما سبَق علمه بها أمضاها، وكما قدَّر مبدأها قدّر منتهاها، أحمده سبحانه عزّ ربًّا وجلَّ إلهًا. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لها، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فأوصيكم ونفسي أيها النَّاسُ بتقوى الله، فاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ، فَمَجْزِيُّونَ عَلَى إِحْسَانِكُمْ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَى تَفْرِيطِكُمْ.

أيها المسلمون، المصائب أمر لا بد منها، فهذه الدنيا مليئة بالحوادث والفواجع والأمراض والخسائر، فبينما الإنسان يسعد بقرب عزيز أو حبيب إذا هو يفجع ويفاجأ بخبر وفاته، وبينا الآخرُ في صحة وعافية وسلامة إلا يفاجأ بمرض يصيبه. وبينما الثالثُ في غني وذا سعة ورزق إذا هو يُفجع بخسارة ماله وهبوط قيمة أسهمه.في هذه الدنيا منح ومحن وأفراح وأتراح وآمال وآلام، فدوام الحال من المحال، والصفو يعقبه الكدر، والفرح فيها مشوب بترح وحذر. وهيهات أنْ يضحك من لا يبكي، وأنْ يتنعّم من لم يتنغَّصْ، أو يسعدَ من لم يحزنْ!.تلكم هي الدنيا التي اغتر بها كثير من الناس فجعلها منتهى أمله، و أكبر همه.. وصفها ربها بقوله {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } العنكبوت64 وقال سبحانه {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } آل عمران185وبين خليله rحاله معها بقوله [ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها [ رواه الترمذي ذلك أنه عرف منزلتها؟ وتبين له دنوها وحقارتها..قال r[ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء] رواه الترمذي، وهي مع ذلك لا يدوم لها حال، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً و إن سرت يوماً أبكت أياماً ودهوراً.. لا يسلم العبد فيها من سقم يكدر صفو حياته، أو مرض يوهن قوته ويعكر مباهاته..ولذلك كانت وصية من عرف قدرها r [كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل] رواه البخاري . وهكذا.. من عرف حقيقة الدنيا زهد فيها.. ومن زهد فيها هانت عليه أكدارها ومصائبها.هكذا هي الدنيا وهذه أحوالها، وليس للمؤمنِ الصادق فيها إلا الصبر، والرضا بما قضى الله وقدر، فذلكم دواء أدوائها. قال الحسن رحمه الله:"جرَّبْنا وجرَّب المجرِّبون فلم نر شيئًا أنفع من الصبر، به تداوى الأمور، وهو لا يُداوى بغيره".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت