أيُّها المُسلمون: ويحقُّ للمسلم الصادق أن يغار ويتألَّم لما يجري لإخوانه في أصقاع الأرض من إهانة وقتل وإيذاء وتعذيب وتجويع وتهجير ..حيث تتوالى الأخبار عن مصائب كبار ومذابح جماعية للمسلمين , فأغيثوهم بمدِّ يد العون بما تستطيعون , والدعاء الدعاء فهو سلاحٌ عظيمٌ لا يكبو .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ..
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة في الله: لقد برز في سماءِ نجمِ الجهادِ أعلام ، وبزغ فيه عظماء ..وإن الواحدَ ليحتار ..أي شخصيةٍ فذةٍ ..تكون هي مدار حديثنا اليوم .. وبعد تفكير ..وقع الاختيارُ على شخصيةٍ معاصرة ..بسبب أن نجمه أضاء ..لأجلِ قضيةٍ لا تزال هي مدارُ حديثِ العالم أجمع ..وهي قضيةٌ كبرى لا يزال العارُ يلاحقنا أنى اتجهنا ..إذا ظل الحالُ على ما هو عليه ..إنها قضيةُ تحريرِ الأقصى من عصبةِ يهود ..الأقصى الذي يأنُ بجراحه وبعضُ أبناءِ المسلمين لا يزالون يتابعون خطوط الموضاتِ في الشرق والغرب ..الأقصى الذي ينزفُ دماً ..وبعض أبناءِ المسلمين في عواصمِ العالم ومنتجعاته في لهو وسهو وغفلة !! أرضُ الإسراء لا تزالُ أيدي الخونة ..وناقضِ العهود يعيثون فيها فسادا ..ويسعون لبناء هيكلهم المزعوم ..ونحن لا تزال هموم بعضنا حول الرياضة والفن والغناء !!فنحن اليوم بأمسِ الحاجةِ إلى استذكارِ بعضِ هؤلاءِ العظماء ..لعل خفاً يقعُ على خف ..ولعل نفوسَنا تسمو لن تكون مثلَها ، وتسير سيرها ، وتحذو حذوها ، فيا ترى من هي شخصيتُنا الذي أرقتُه قضيةُ فلسطين ..فإذا به يُحرك الأمة ..للجهادِ في سبيل الله تعالى ؟ إنه محمد عز الدين بن عبد القادر القسَّام ..الذي نشأ في أسرةٍ مسلمة كريمة ..وهذا يؤكد لنا أهميةَ الوالدين تجاه الأبناءِ ..وأنهم السبب بعد الله تعالى في تخريجِ مثلِ هؤلاءِ الأبطال ..فهل يعي الأبوانِ الكريمان دورهما في غرس معاني الجهاد والاستشهاد في نفوس الأبناء ..وأحياء الغيرة الإيمانية في قلوبهم ..وتربيتهم على القرآن والسنة ..درس عزُ الدين القسام بالأزهر في مصر ، والذي كان له دورٌ كبير في ذلك الوقتِ في بثِ مبادئِ الإسلامِ ونشرهِا في كل أنحاءِ الوطنِ الإسلامي،وبعد انتهاءِ دراستهِ بالأزهر رجع إلى بلدته ،ولم يقبعْ في المدن الكبرى حيث الرفاهيةُ ووسائلُ المدنية .. وتُترك القرى والهجر للجهلِ والشركِ والخرافة ..عُين مدرساً بالجامعِ الكبير ،فبدأ يتحركُ ولم يخلدْ إلى الراحةِ والدعة ..ولم يهجرْ العلمَ والدعوة ..بل رأى أن عليه ضريبةً ..لابد أن يؤديها ..هذا العلم الذي تعلمه لابد من نشره بين الناس ..فغرسَ في تلاميذه معاني العزةِ والكرامة، باثاً فيهم روحَ الجهادِ في سبيل الله، ومرشداً إياهم إلى القرآنِ الكريم والسنةِ النبوية الشريفة ..وهذا الذي نحتاجُه اليوم من علمائنا الأفاضل ..أن يصحبَ العلم والفقه غرسُ معاني العزةِ والإباء ..ومعاني الرفعةِ والكرامة ..وشحذُ الهمم لقضايا الأمةِ والدين .
أيها الأخوة في الله: وما كادتِ الحربُ العالميةُ الأولى تضعُ أوزارَها ، حتى وضُعت فلسطينُ والعراق ..تحت الانتدابِ الإنجليزي ، وسوريا ولبنان ..تحت الانتدابِ الفرنسى ، وأعطى وزيرُ خارجيةِ بريطانيا (بلفور) وعدَه المشؤوم ..بإنشاءِ وطنٍ قوميٍ لليهودِ في فلسطين
في هذه الأثناء.. انضم الشيخُ عزُ الدين القسّام إلى عمرَ البيطار ورفاقِه ..لمقاومةِ الاحتلالِ الفرنسي، واستطاعت فرنسا التغلبَ عليهم ..لقلةِ ذخيرتهِم وأسلحتهِم ، ولضعفِ تنظيمهِم فصدر عليه حكمٌ بالإعدام ، وفاوضوه على إلغاءِ ذلك الحكم ..وتحقيقِ ما يتمناه من مالٍ ومنصبٍ فرفض ..وهذا درسٌ في الثباتِ على المبادئِ حتى الممات ..وسواءً كان ذلك في الضراء أو السراء ..وقليلٌ من يثبتُ في وقتِ السراءِ والرخاء ..أمامَ فتنةِ المالِ والمنصب والجاه ..فنسأل الله تعالى الثبات على الحق حتى الممات .. ولما اشتدتِ عليه الملاحقةُ والطلبُ رحلَ إلى فلسطين في ضاحيةِ الياجورِ بالقرب من حيفا ..والتي كانت قاعدةً من قواعدِ التهويد في ذلك الحين .. وهناك عَمِلَ مدرساً بالمدرسةِ الإسلامية ، ثم انضم إلى جمعيةِ الشبان المسلمين ، وانُتخِب رئيساً لها بعد عامين من انضمامهِ إليها ..ثم أصبح مدرساً وخطيباً في جامع الاستقلال ، وفي نفس السنةِ عُين مأذوناً شرعياً ، وقام بتأسيس مدرسةٍ ليلية لمحو الأمية.
وقد مكنتهُ كلُّ هذه الأعمال ..من الاتصالِ بكافةِ طبقاتِ الأمة ،فلم يقبعْ في بيته ، أو يجلس في برج عاجي ، بل خالطَ الناس .وعاشَ مشاكلَهم وهمومهم ..وتحسس قضاياهم .. فبدأ بتأليف القلوب ، ونشرِ المحبة ، وإزالةِ الخصوماتِ ونبذِ الأحقاد ، وتعميقِ الوازع الديني في النفوس ، والتوعيةِ بمؤامراتِ الحكومةِ البريطانية على فلسطين ، والتوعيةِ بمخاطرِ هجرةِ وبيعِ الأراضي ، وعمل على تكوين قاعدةٍ إيمانيةٍ صلبة ..من المجاهدين ضد أعداءِ الله سبحانه وتعالى وأعداءِ رسولهِ r .
وكان يتصفُ بقوةِ الإيمان ، وحسنِ السيرةِ والمعاشرة ، وكان لبقاً وخطيباً بارعاً ، وعاقلاً يُدرك ماذا يصنعُ ..ويفهمُه كلَّ الفهم ، غيرَ متسرعٍ ولا مندفع ، وكان يلومُ بعضَ العلماءِ وطلبةَ العلم على أمورٍ منها:
-محاولاتهُم وسعيهُم الحثيث إلى تجويفِ الدين ،وجعلهِ هياكلَ نظرية مفرغة.
-إبعادُ الدين عن السياسة ، واقتصارُهم على المواعظِ النظرية فقط.
-إغراقهُم في التنعم بعيشهِم ..بينما غالبيةُ الشعبِ يعاني من الفقرِ والحاجة.
-عدم دعوتهِم إلى الجهادِ وطردِ الإنجليزِ والصهاينة.
-إنفاقُ الأموالِ في تزيين المساجدِ وزخرفتهِا بدلاً من الإعدادِ للجهاد.
فالتفَ حولَه الناسُ وساعدوه ، وزاد أيضاً عددُ الجواسيسِ عليه ،
وبعد فترةٍ من تربيةِ الأمةِ وإعدادِها .. أسس المنظمةَ الجهادية.. وبدأت عملَها بسرية بالتحريض على الجهاد ، والتدريب عليه ، وقُسِمت هذه المنظمةُ إلى خمسِ مجموعات هي: المجموعةُ الفدائية (أو وحدةُ التدريبِ العسكري) ، ومجموعةُ التهيئةِ والأعداد ، ومجموعة التمويل ، ومجموعة الوعظِ والدعاية ، والمجموعةُ السياسية.
وفي عام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثون للميلاد رفع الشيخُ رايةَ الجهاد - وكان عمرهُ قد تجاوز الستين - وترك حيفا إلى جبالِ جنين القريبةِ منها.
وكانت خطتُه أن يتوزعَ رجالُه على قرى المناطقِ الجبلية حتى يضموا إليهمِ أكبرَ عددٍ من المجاهدين ، فإذا اكتمل العددُ الذي يُريده ..هاجم مدينةَ حيفا ..واحتل دوائرَ الحكومةِ ومراكزَ الشرطةِ والميناء ، وبعد أن يستتب له الأمرُ ..يعلن قيامَ حكومته ، ويقومُ أعوانُه في المدن الأخرى بمثلِ ذلك.
وبعد يومين فقط ، وقبل أن يتم له ذلك ، قَتلَ أحدُ أعوانهِ فرداً من دوريةِ شرطة (يهودي) ، فهاجمت قواتٌ كبيرة جميعَ القرى المجاورة ، فاشتبك معهم أعوانُ القسام ، وقُتِل اثنان من أفرادِ الشرطة ، فأدركوا أن الجهادَ الحاسم ..على وشك الاستنفار ، فأُرسِلت نجداتٌ إلى تلك المناطق ..تسانُدها طائراتٌ استكشافية ، فحاصروا الشيخَ ..ومعه مجموعةٌ من أعوانه ، ودارت معركةٌ أبلى فيها وأتباعُه بلاءً حسنًا ، وكان في مقابلِ كلِ مجاهدٍ أربعين جندياً ، وقُتِل ومعه الشيخان محمد الحنفي ويوسف الزيباوي ، وجُرِح ثلاثةٌ وتمكن الباقون من الإفلات.