فهرس الكتاب

الصفحة 5161 من 9994

#زخرفة المسجد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد:

فإن الله قد اقتضت حكمته تفضيل بعض الأمور على بعضها، ففضّل سبحانه بعض الرسل على بعض، وفضّل بعض الأيام على بعض، وفضّل بعض الساعات على بعض، وفضل بعض الليالي على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض، ومن هذه الأماكن التي فضلها الله المساجد.

فقد أضاف الله المساجد لنفسه تشريفاً وتعظيماً، فقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} سورة الجن (18) .

ووصف المسجد في موطن المدح والإطراء، حيث أتبع - سبحانه - نوره بذكر المسجد، وكأنه ينبه عباده إلى أن ذلك النور جزء من نوره، فمن يريد نوره فعليه بالمرابطة بالمسجد، قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} .

وتوعد- سبحانه- من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بالخزي والعذاب في الدنيا والآخرة، وبين أنه لا أظلم منه؛ كما في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

ومما يدخل في تخريب المسجد تلك الزخارف والنقوش والزينات التي يتنافس فيها الجهلة من المسلمين، فنجد الناس قد غيروا وبدلوا وزاد وحرفوا وابتدعوا؛ فلم تسلم هذه الأماكن المباركة من الابتداع فيها مالم يأذن به الله، فقد دخل على المسجد بدع كثيرة، ومن هذه البدع، بدعة الزخرفة والزينة.

تعريف الزخرفة:

الزخرفة: هي الزينة، وأصل الزخرف الذهب ثم استعمل في كل ما يتزين به1، ومنه قوله تعالى: {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} .

بعض مظاهر الزخرفة:

إن الزخرفة تعني وضع الزينة في المسجد بأي مظهر من المظاهر التالية:

1-تزين الجدران بالذهب والفضة.

2-نقش الجدران بالألوان والأصباغ المختلفة.

3-وضع التصاوير وأنواع السجاد والنقوش والقناديل والستائر على المنائر.

4-وضع السرج الكثيرة في ليال محدودة، أو في أعياد بدعية؛ كما قال الإمام النووي- رحمه الله - ومن البدع المنكرة ما يفعله الناس في كثير من البلدان من إيقاد القناديل الكثيرة العظيمة في ليال معروفة من السنة؛ كليلة النصف من شعبان، فيحصل بسبب ذلك مفاسد كثيرة، منها: مضاهاة المجوس في الاعتقاد بالنار، والإكثار منها، ومنها: إضاعة المال في غير وجهه، ومنها: ما يترتب على ذلك في كثير من المساجد من اجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم، ورفع أصواتهم، وامتهانهم في المساجد، وانتهاك حرماتها، وحصول أوساخ فيها، وغير ذلك من المفاسد التي يجب صيانة المسجد من أفراده2.

وإضافة إلى ما ذكره الإمام النووي من اختلاط الرجال والنساء، وشرب الدخان، والرقص والطرب والتمايل يمنة ويسرة، وذلك عند التواشيح البدعية والشركية التي يزعمون أنهم يمدحمون النبي - صلى الله عليه وسلم- بها .

حكم الزخرفة:

وقد يستغرب البعض عندما يسمع أن الزخرفة للمساجد من البدع المحرمة؛ وذلك لأن كثيراً من مساجد المسلمين اليوم لا تخلو منها - إلا ما شاء الله- ولأن الناس اليوم قد أحدثوا في الدين مالم يأذن به الله، ومن براهين ذلك:

الدليل الأول: ما رواه أبو داود السجستاني عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أمرت بتشييد المساجد". يخبر النبي أنه لم يأمره الله بتشييد المساجد، وكل مالم يأمر بالله ورسوله، فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه مسلم.

قال العلامة الصنعاني - رحمه الله: وقوله- صلى الله عليه وسلم -"ما أمرت"إشعار بأنه لا يحسن ذلك، فإنه لو كان حسناً لأمره الله به3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت