فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 9994

وهديناه النجدين: بين ضلالات البشر والهدى الرباني

رد على مقالة الاستاذ امين هويدي

ساتجاوز في تعقيبي على ما جاء في مقالة الكاتب أمين هويدي (الحياة 30-11-2003 العدد 14859) من اعتراضات - وجيهة ولا شك- على صاحب الرسالة الالهية - جورج بوش- الذي يريد فرضها على العالم حيث قال في خطابه الشهير بان"الديمقراطية والحرية هي خطة السماء للانسانية وافضل امل للتقدم هنا على الارض"وقد يكون لنا موعد اخر مع صاحب الرسالة الالهية، الا اني اريد مناقشة الاستاذ أمين فيما زعمه من ان"الاسلام لا يتعارض مع الديمقراطية والتحديث ليس تغريبا ولا هو اتباع الثقافة الغربية"وان"شعوب المنطقة تتعطش الى الديمقراطية وتحاول تحقيقها"وهذا ما يفسر انزعاج الكاتب من سياسة بوش الحمقاء الخرقاء ويقدم الاستاذ أمين النصح لبوش حتى تصبح قضية الديمقراطية اسهل واقل تعقيدا بعد ان تتخلص من الارث الثقيل للسياسة الامريكية هذا الارث الذي اصبح عبئا على الديمقراطية ودعاتها بعد ان قام بوش - وفريقه من المحافظين الجدد- بما يجعل"تمثال الحرية يحني راسه خجلا"بحسب تعبير الاستاذ أمين.

وكما تساءل الاستاذ أمين"ما هي الديمقراطية التي يقصدها الرئيس (بوش) ؟ وهل هي ديمقراطية الاثرياء؟ هل هي ديمقراطية اشباه الاحزاب؟ هل هي ديمقراطية القوة والسيطرة والارهاب؟"

فاني كنت اود لو انه افصح لنا عن الديمقراطية التي زعم ان الشعب العربي يتوق اليها بشدة؟ فقد تشابه البقر علينا ولم نعد ندر عن اي ديمقراطية يتحدثون وما المراد بها . فاستميح الكاتب - ومن راى رايه- بان ابدي وجهة نظري كوني احد ابناء هذا الشعب الذي يزعم التحدث باسمه واكون ممتنا شاكرا لو تفضل الاستاذ أمين - ومن يرى رايه من اهل الديمقراطية ودعاتها (محلية كانت ام مستوردة) - وصحح ما قد يكون البس علي فهمه.

فحسب علمي فان"الديمقراطية"هي مجرد شعار خادع يقف وراءه اصحاب الرساميل الضخمة في دول الغرب فيستخدمونها مطية لتبرر جرائمهم البشعة التي يندى لها ليس فقط جبين التماثيل المحنطة وانما جبين كل صاحب ضمير حي يعتز بكرامته الانسانية ويابى العبودية لنفسه ولملته من بني البشر.

ويؤلمني حقا ان اسمع وارى هذا وذاك من ضحايا الاستعمار الغربي القبيح ، ممن"ضبعوا"بالدعاية المضللة للغرب، يتسابقون للتنادي بان الديمقراطية هي امل الشعوب وهي السبيل الوحيد الى حرية واستقلال الشعوب"كما جاء في المقالة"

فما حقيقة هذا الادعاء؟

نجد مثلا ان اهل الديمقراطية ودعاتها يسارعون الى الترويج لها كونها تقدم الحل الامثل لتمكين الشعوب من تحقيق معنى السيادة الشعبية عبر مشاركة افراد الشعب باليات الحكم فيعبرون عن رغباتهم في كيفية تصريف وتدبير شؤونهم عبر انتخاب من يمثلهم الى مجالس الحكم - من برلمان وما شابهه- وهذه المجالس المنتخبة ينتج عنها حكومة من"الشعب ومن اجل الشعب وباختيار الشعب"

اي- بعبارة اخرى- يسارع دعاة الديمقراطية الى تقديم الاختزال المخل المجافي للحق والصواب حين يقدمون للناخب - انا واشباهي من عامة الشعب- احد خيارين: اما دكتاتورية صدام حسين- واشباهه من حكام العرب الميامين- واما الديمقراطية الغربية التي تعكس عصر الانوار الذي انتج قمة الاسهام الحضاري الغربي الاوروبي؛ ولعل دعاة الديمقراطية - من حيث يشعرون او لا يشعرون- يوافقون على ما ذهب اليه فرنسيس فوكوياما في زعمه بان النظام الديمقراطي الليبرالي هو اخر محطة للبشرية في سيرها التاريخي المتعثر باحثة عن النظام الامثل لبني الانسان، كما جاء في كتابه الشهير"نهاية التاريخ"

فلننظر عن كثب الى مقولة"الحكومة التمثيلية"هذه لنر مدى صحة الزعم بان الديمقراطية المنشودة هي امل الجماهير والشعوب المستضعفة.

يقول إلفين توفلر في كتابه"الموجة الثالثة" ( ص 68-70)

ان الحكومة التمثيلية- مع ما هدفت اليه من هدف نبيل من اعطاء الناخب مساهمة فعالة في انتخاب من يمثله للمشاركة في تقرير السياسات التي تؤثر في حياته ومصيره، ما هي الا خدعة كبرى من ارباب المجتمع الصناعي الجديد الذي قام على انقاض النظام الاقطاعي البائد، ويذهب في شرحه الى ان الية الانتخابات المزعومة هي في حقيقتها الية تمكن الراسماليين - صناع القرار الحقيقيين في النظام الراسمالي الذي يحرص على اخفاء جرائمه القبيحة وراء سواتر من الاقنعة المبهرجة التي ما هي الا دس للسم في العسل- من التحكم المستمر في مصير المجتمع. وبهذا فان الوهم الذي توجده الية الانتخابات بمساواة كافة افراد الشعب- حيث ان لكل مواطن صوت واحد - فهذا كله يوجد وهم المساواة لدى افراد الشعب من جهة ويوجد الوهم ان الشعب حقيقة يملك مصيره بيده وانه يملك تنصيب وعزل الحكام حسب سخطه او رضاه عنهم؛ بل ويذهب الى ابعد من ذلك حين يقول- وهذا الكتاب صدر في 1980- ان كلا من النظام الاشتراكي الشيوعي وغريمه النظام الراسمالي قد استفادا خير استفادة من هذه"الطقوس"التي اثبتت جدواها ليس من خلال ما ادت اليه من نتائج - اي فوز هذا المرشح او ذاك- وانما من خلال خلق الوهم الزائف لدى طبقات الشعب بانهم يساهمون مساهمة فعالة في تقرير مصيرهم.

ثم يضيف توفلر (ص 69) بانه برغم الجهود المضنية التي بذلها المصلحون والمتطرفون الديمقراطيون فان صناع القرار النخبة حافظوا على هيمنتهم التامة على انظمة الحكم التمثيلي؛ كل هذا - وتفاصيل اخرى اضرب عن ذكرها واحيل القاريء الكريم الى الكتاب المذكور- جعل توفلر يصدر حكمه بان"الحكم التمثيلي قد فشل من يومه الاول في تحقيق ما هدف اليه من جعل الشعب هو المتحكم في مصيره مهما اجتهدنا في التاويل والتفسير"

وبحسب تعبير توفلر فان"الحكم التمثيلي -او ما علمنا بانه الديمقراطية- ما هو الا الية تقنية صناعية (اي ناتجة عن النظام الصناعي الراسمالي) تهدف الى ضمان اللامساواة . الحكم التمثيلي كان حكما تزويريا كاذبا يزعم ضمان التمثيل الحقيقي (للشعب المغلوب على امره صاحب السلطات والسيادة - نظريا على الاقل) "

ولذا فان الحكم التمثيلي ليس سوى الية تحكم سياسية موازية للمصنع - الذي يجبر الافراد على الانتظام عبر السلك الصناعي بكل ما يتطلبه من روتين روبوتي مثله شارلي شابلن في فيلمه المشهور"الازمنة الحديثة". حقا -حسب قول توفلر- فان الحكم التمثيلي كان مصنعا لصناعة القرارات الجماعية - التي تحدد مصير الامة- وككل المصانع فقد كان يدار هذا المصنع من عل (عبرالنخبة اصحاب القرار)

ثم يختم توفلر بتنبوئه ان ايام الحكم التمثيلي صارت معدودة حيث سيقع ضحية للموجة الثالثة القادمة والتي ستحطم معظم اليات الموجة الثانية

وان المرء اليوم لينظر باعجاب الى دقة فهم توفلر وصواب ما ذهب اليه فها المجتمعات الغربية تكاد تجمع على سقوط الحكم التمثيلي كما يعبر عن ذلك الناخبون الغربيون بعزوفهم عن المشاركة في الانتخابات بعد ان ظهر لهم سماجة هذه المزحة الثقيلة، فاضحين بذلك ومعرين حقيقة النظام الراسمالي القائم لا على"صوت واحد لكل مواطن"وانما على"صوت واحد لكل دولار واحد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت