الحمد لله الذي يمحو الزلل ويصفح ، ويغفر الخطل ويمسح ، كل من لاذ به أنجح ، وكل من عامله يربح ، تشبيهه بخلقه قبيح وجحده أقبح ، رفع السماء بغير عمد فتأمل والمح ، وأنزل القطر فإذا الزرع في الماء يُسبح ، وأقام الوُرق على الوَرق تشكر وتمدح ، أغنى وأفقر والفقر في الأغلب أصلح ، كم من غنيِّ طرحه البطر والأشر أقبح مطرح ، هذا قارون ملك الكثير وبالقليل لم يسمح ، ولِيمَ فلم ينفع لومه"إذ قال قومه لا تفرح".
احمده ما أمسى المساء وما أصبح ، وأصلي على رسوله محمد الذي أُنزل عليه"ألم نشرح"، وعلى أبي بكر صاحبه في الدار والغار لم يبرح ، وعلى عمر الذي لم يزل في إعزاز الدين يكدح ، وعلى عثمان وعليّ وسائر الصحب وكلٌ رُضي عنهم فأفلح .
ـ أما بعد ـ
إخوتاه ..
قال الله تعالى:"مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" [ هود/15-16]
وقال الله تعالى:"من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد" [الإسراء/ 18] .
قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: يؤتون ثواب ما عملوا في الدنيا وليس لهم في الآخرة من شيء . وقال قتادة رضي الله عنه: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته وحاجته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة ليس له فيها حسنة، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ، ويثاب عليها في الآخرة .
قال ابن جريج: يعجل لهم فيها كل طيبة ، فلم يظلمهم لأنهم لم يعلموا إلا الدنيا.
وههنا خطورة قضية"النعم"فإنَّ المرء قد يعطيه الله تبارك وتعالى ويسبغ عليه من الفضل والنعم ما يكون سبب هلاكه ، فهي عوض عن أعماله الصالحة في الدنيا حتى يأتي الله ولا حسنة له ، فأي مصيبة تعدل ذلك !!
ويرى الناس ذاك المترف فيتمنون ما عنده ليتمتعوا بهذه النعم كما يتمتع ويتنعم هو بها ، ولا يدرون حقيقتها ، فإذا تبين لهم قالوا كما قال قوم قارون"وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون"
ومن هنا تكمن خطورة النظر إلى الأمور بسطحية ، وعدم التدبر في الحقائق ، ومن هنا دعونا نتأمل هذه الظاهرة الخطيرة في مجتمعاتنا الإسلامية والتي أودت بكثير من شبابنا ، ألا وهي"الترف"وفق منظور إسلامي سلفي صحيح ، لنبصر خطورة جعل"الرخاء والرفاهية"مقصدًا للشعوب كما يدندن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، وكيف ضاع كثير من شباب الأمة ورجالها تحت بريق هذا الهدف المنشود ، ودعونا نفهم عن الله قضية"الفقر والغنى"، ونتعلم كيف نعيش كما يريد الله لا كما نريد نحن أو يُراد لنا ، ونتعلم كيف نستثمر أموالنا وكيف ننفقها .
إخوتاه ..
ما المقصود بالترف وما حده ؟
أصحاب اللغة يقولون أنَّ:
الترَفُ: هو التَّنَعُّمُ، و المُتْرَفٌ من كان مُنَعَّمَ البدنِ مُدَلَّلاً ، وهو: الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ. وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ أَي أَطْغَتْه ، وهو: المُتَنَعِّمُ المُتَوَسِّعُ في مَلاذِّ الدنيا وشَهواتِها.
يقول الراغب الأصفهاني: الترف: التوسع في النعمة.
قال الله تعالى:"أترفناهم في الحياة الدنيا" [المؤمنون/33]
وقال تعالى:"واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه" [هود/116 ]
وقال تعالى:"ارجعوا إلى ما أترفتم فيه" [الأنبياء/13]
وقال تعالى:"أخذنا مترفيهم بالعذاب" [المؤمنون/64 ]
وهم الموصوفون بقوله سبحانه:"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول رب أكرمن وأمَّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول رب أهانن كلا" [الفجر/15-16 ]
فالمترف من توسع في التنعم بشهوات الدنيا وملذاتها ، ومن شأن ذلك أن يؤثر في شخصيته ، فتراه مدللا ، يفارق الرجال في القوة والاحتمال ، مخنث العزم ، مائع الإرادة ، فالدنيا عنده كأس وغانية ، نهم في طلب شهوات الدنيا ، يعيش لنفسه ، منطقه"اليوم خمر وغدًا أمر"، شعاره"عش الحياة اليوم فتمتع بكل ما فيها ووقت الله يدبرها الله"