فهرس الكتاب

الصفحة 5233 من 9994

#سد الذرائع في مسائل العقيدة

إعداد/ د. عبد الله شاكر الجنيدي

الحلقة السابعة

نائب الرئيس العام

سد الذرائع في توحيد المعرفة والإثبات

توحيد المعرفة والإثبات أحد نوعي التوحيد، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الجلال والكمال لله عز وجل، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلا رب سوى خالق الأرض والسماء، كما أنه لا يشبهه أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته وأفعاله، تعالى سبحانه وتقدس عن الشبيه والنظير.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين، والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين، كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقًا، ولا ربًا مطلقًا ونحو ذلك، لأن ذلك يقتضي الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع، وليس ذلك إلا لله وحده» .

وقد سدَّ الشارع الذرائع التي يمكن أن تؤدي إلى وقوع محظور في هذا النوع من التوحيد، وبيان ذلك في مبحثين كما يلي:

المبحث الأول: سد الذرائع في مضاهاة أفعال الله تعالى

أفعال الله كثيرة، وهي مبنية على أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه ورازقه، وهو الذي يحييه ويميته ويدبر أمره، وهو أمر تشهد له الفطرة، ويذعن له العقل، وقد ذكر ربنا ذلك في آيات كثيرة من كتابه، كما نفى أن يكون لأحد معه شريك في الخلق والتكوين فقال سبحانه: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون [المؤمنون: 91] .

ويظهر حماية الشرع لهذا النوع من التوحيد بذكر الأمثلة الآتية:

1-النهي عن تصوير ذوات الأرواح:

نهى الإسلام عن تصوير ذوات الأرواح سدًا لذريعة المضاهاة لأفعال الله تعالى، وهي هنا الخلق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» .

قال الإمام النووي بعد ذكره لبعض الأحاديث الناهية عن التصوير: «وهذه الأحاديث صريحة في تحريم تصوير الحيوان وأنه غليظ التحريم، وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه، فلا تحرم صنعته ولا التكسب به سواء الشجر المثمر وغيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهدًا، واحتج مجاهد بقوله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي» ، واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: «ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» أي: اجعلوه حيوانًا ذا روح كما ضاهيتم.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعد ذكره للحديث السابق: «وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة وهي المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة» .

وقال الشيخ صديق حسن خان: «قال بعض أهل العلم في معنى هذا الحديث: يعني أن المصورين يدعون الإلهية في هذه السترة، لكونهم يريدون أن يصنعوا أشياء مثل ما صنعه الخالق القدير، فهم مسيئو الأدب مع الله عز وجل، ودعواهم هذه كذب صريح وحجة داحضة» .

2-النهي عن قول: «مطرنا بنوء كذا» :

عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «صلى لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب» . [البخاري ومسلم]

قال الإمام الشافعي: «من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر، كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ولا يمطر ولا يصنع شيئًا، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، على معنى: مطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفر، وغيره من الكلام أحب إلى منه» .

قال الحافظ ابن حجر عقب نقله لكلام الإمام الشافعي السابق: «يعني حسما للمادة وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث» .

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله معلقًا على كلام الإمام الشافعي: «إن كلام الشافعي لا يدل على جواز ذلك، وإنما يدل على أنه لا يكون كفر شرك، وغيره من الكلام أحسن منه، أما كونه يجوز إطلاق ذلك أو لا يجوز، فالصحيح أنه لا يجوز، وإن كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنزل للمطر، فهذا من باب الشرك الخفي في الألفاظ، كقوله: لولا فلان لم يكن كذا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت