أيها المؤمنون إن طلب العلم الشرعي واجب على كل أحد بحسبه فإن من علم الشريعة ما لا يعذرالعبد بجهله وتركه وذلك العلم الواجب هو الذي يستقيم به دين العبد ويتمكن به من القيام بحق الله سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام. ويجمع أصول هذا العلم الواجب على كل أحد تعلمه في العقائد والأحكام حديث جبريل الطويل والذي سأل فيه النبي r عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن أمارات الساعة وفي آخره قال r لأصحابه: (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) ) (9) .
فيا أمة السنة والقرآن هلا شمرنا عن سواعد الجد والاجتهاد وهجرنا السِنَة والرقاد وجفونا الملاهي والملذات وبذلنا خالص أوقاتنا ونفيس زماننا في تحصيل العلم النافع وبذله والدعوة إليه، فبالعلم وبذله ونشره ترفع رايات الدين وأعلامه وتنقمع رايات الشبهات والشهوات فعليكم يا عباد الله بعز الدنيا والآخرة عليكم بميراث النبوة وتركة نبيكم محمد r اطلبوها من مظانها واجتهدوا في تحصيلها الليالي والأيام وابذلوا في سبيل ذلك الأنفس والأموال فإن العلم من الجهاد في سبيل الله أخلصوا لله سبحانه وتعالى نياتكم فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه.
تعلم فإن العلم زين لأهله وفضل وعنوان لكل المحامد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوىوأعدل قاصد
الخطبة الثانية
أما بعد. . .
فإن العلم الشرعي يعد إحدى أهم الضرورات التي تحتاجها الأمة اليوم، فبالعلم الصحيح المأخوذ من الكتاب والسنة وبالتعليم والدعوة الخالصة المثابرة تخرج أمتنا من أنفاق التعاسات والظلمات والانتكاسات إلى ساحات السعادة والعز والانتصارات قال الله سبحانه وتعالى: ?وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً? (10) ولن يكون إيمان صادق ولا عمل صالح ولا عبادة صحيحة ولا سلامة من الشرك إلا بالعلم النافع الصحيح والدعوة المثابرة والتعليم الناصح.
والعلم الشرعي هو السبيل القويم لإصابة نهج الوسطية والاستقامة فالعلم هو الضمانة الأولى التي تحفظ مسيرة العبد من الغلو في دين الله أو التقصير فيه فما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله سبحانه وسط بين الجافي عنه والغالي فيه وكلا الأمرين خطير فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي في أمر الله مضيع له كذلك (11) فتعلموا العلم يا عباد الله واجتهدوا في تحصيله وعليكم بهدي السلف الصالح الذين هم خير القرون وإياكم والجهل فإن الجهل أصل كل انحراف وضلال قال ابن القيم رحمه الله:
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني
فأقبلوا أيها الناس على كتاب ربكم وعلى سنة نبيكم واسترشدوا بآراء أهل العلم الأثبات وخذوا عنهم فإن هذا العلم يحمله من كل خلف عدوله وخذوا العلم يا عباد الله قبل ذهابه فإن ذهاب العلم بذهاب أهله وحملته وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (( مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون، فتعلموا قبل أن يرفع العلم فإن رفع العلم ذهاب العلماء ) ).
واحذروا ياعباد الله الذين يزهدونكم في العلم الشرعي وأهله ويهونون من شأنه بأقوالهم أو بأفعالهم فإن الذين يزهدون في العلم وأهله إنما يزهدون في الدين والدعوة التي يحملها هؤلاء وهذا الفعل لا يكون إلا من جاهل أو صاحب هوى فإن علم الشريعة قال الله قال رسوله قال الصحابة فمن زهد فيه أو هون من شأنه فقد زهّد الناس في الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح. فحثوا أيها المؤمنون أنفسكم وأهليكم وأولادكم على طلب العلم وحضور حلقه وقراءة كتبه وسماع أشرطته قال علي بن أبي طالب: اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامس فتهلِك. اللهم وفقنا إلى العلم النافع والعمل الصالح.
(1) المجادلة: 11.
(2) فاطر: 28.
(3) الأنعام: 122.
(4) الرعد: 19.
(5) البقرة: 269.
(6) أخرجه البخاري في العلم برقم 71 وأخرجه مسلم في الزكاة 1037.
(7) أخرجه الترمذي في الزهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2222 وسنده لا بأس به.
(8) أخرجه الترمذي في العلم برقم 2682.
(9) أخرجه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 9.
(10) النور: 55.
(11) مدارج السالكين 2/496.
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شيد منار الدين وأعلامه، وأظهر للخلق شرائعَه وأحكامَه، وشرح صدور من أراد هدايتهم للإسلام ونوّر بالعلوم والمعارف الإلهية بصائر ذوي العقول والأفهام أحمده تعالى وأشكره وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهد بذلك لنفسه في كتابه واستشهد على ذلك بالملائكة الأبرار وأولي العلم الراسخين الأخيار فقال تعالى: ?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ? (1) .
والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين وعلى سائر عباد الله الصالحين. .
أما بعد. .
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب وعمرت به الأوقات ونال به العبد الرفعة في الدارين هو العلم الذي يورث الإيمان ولذا قرن الله سبحانه وتعالى بينهما فقال: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? (2) فالعلم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور وهو الميزان الذي يوزن به الرجال، وتوزن به الأقوال والأعمال. به يتمكن العبد من تحقيق العبودية لله الواحد الديان. فهو الكاشف عن الشبهات والمزيل للشهوات. مذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه قربة وبذله صدقة ومدارسته تعدل الصيام والقيام.
فالحاجة إلى العلم فوق كل حاجة فلا غنى للعبد عنه طرفة عين قال الإمام أحمد رحمه الله: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب فالرجل يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه وكيف لا تكون هذه منزلة العلم ؟ وهو الذي به يعرف العبد ربه أسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه وبهذه المعارف يحصل العبدُ أكملَ السعادات وأشرفَ الغايات به يُخرج الله العباد من الظلمات إلى النور قال الله تعالى: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا? (3) .
ولما كانت هذه منزلة العلم ومكانته جاءت نصوص الوحيين متضافرةً في الحث عليه وبيان فضله وفضل أهله وشحذ الهمم إليه.
فمما ورد في ذلك قوله تعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? (4) وقال الله تعالى: ?أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب? (5) فما ثمّ إلا عالم أو أعمى وأهل العمى هم أهل الجهل والضلال.