ومن أنفع الأسباب كذلك للنجاة من عذاب القبر ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه القيم (الروح) ، قال: ومن أنفعها أن يتفكر الإنسان قبل نومه ساعة ليذكر نفسه بعمله، فإن كان مقصراً زاد في عمله وإن كان عاصياً تاب إلى الله، وليجدد توبة قبل نومه بينه وبين الله.
فإن مات من ليلته على هذه التوبة فهو من أهل الجنة ،نجاه الله من عذاب القبر ومن عذاب النار.
ومن أعظم الأسباب التي تنجي من عذاب القبر:
أن تداوم على العمل الصالح كالتوحيد، والصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، وحضور مجالس العلم والعلماء التي ضيعها أناس كثيرون وانشغلوا عنها بلهو قتل الوقت.
أيضا من أعظم الأسباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، كل عمل يرضي الرب فهو عمل صالح ينجي صاحبه من عذاب القبر والنار.
وأبشركم... أن من أعظم الأعمال التي تنجي صاحبها من عذاب القبر الشهادة في سبيل الله ورد في الحديث الذي رواه الحاكم وحسن إسناده الشيخ الألباني أن النبي قال: (( للشهيد عند الله ست خصال، الأولى: يغفر له مع أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، الثانية: ينجيه الله عز وجل من عذاب القبر، الثالثة: يأمنه الله يوم الفزع الأكبر، الرابعة: يلبسه الله تاج الوقار، الياقوتة فيه خير من الدنيا وما فيها، الخامسة: يزوجه الله بثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، السادسة: يشفعه الله في سبعين من أهله ) ).
ولن أترك مكاني هذا إلا بعد أن أزف إليكم حديثا يملأ القلب أملا ورضا، والحديث رواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي وصحح إسناده الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح عن ابن مسعود قال: (( سورة الملك، تبارك الذي بيده الملك، هي المانعة وهى المنجية تنجيه من عذاب القبر ) ) ( [2] )
( [1] ) رواه البخارى رقم (1314) ، في الجنائز ، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، والنسائى في (4/41) ، في الجنائز ، باب السرعة بالجنازة .
( [2] ) رواه البخارى رقم (7506) ، في التوحيد ، باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله ، ومسلم رقم (2756) ، في التوبة ، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ، والموطأ (1/240) ، في الجنائز ، باب جامع الجنائز ، النسائى (4/113) في الجنائز ،باب أرواح المؤمنين .
( [3] ) رواه أبو داود رقم (162،163،164) في الطهارة ، باب كيف المسح ، وصححه الشيخ الألبانى ، والأرناؤوط في تخريج جامع الأصول .
( [4] ) رواه أحمد رقم ( 17128) وأبو داود رقم (4604) في السنة باب في لزوم السنة والحاكم ، وهو في صحيح الجامع رقم (8186) .
( [5] ) رواه البخارى رقم (216) ، في الوضوء ، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله ، ومسلم رقم (292) ، في الطهارة ، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ، والترمذى رقم (70) ، في الطهارة ، باب ما جاء في التشديد في البول ، وأبو داود رقم (20،21) في الطهارة ، باب الاستبراء من البول ، والنسائى في الطهارة ، باب التنزه عن البول .
( [6] ) رواه البخارى رقم (1377) في الجنائز ، باب التعوذ من عذاب القبر ، ومسلم رقم (588) ، في المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة ، و الترمذى رقم (3599) في الدعوات ، باب الاستعاذة من جهنم ، والنسائى (4/275،276) ، في الاستعاذة ، باب الاستعاذة من عذاب جهنم .
( [7] ) رواه مسلم (2867) ، في صفة الجنة ،باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه .
( [8] ) رواه البخارى رقم (1372) في الجنائز ، باب عذاب القبر ، ومسلم رقم (584) ، في المساجد ، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر ، والنسائى (4/104) ، في الجنائز ، باب التعوذ من عذاب القبر .
( [9] ) رواه أبو داود رقم (3212) في الجنائز ، باب الجلوس عند القبر ، ورواه ابن خزيمة والحاكم ، والبيهقى في شعب الإيمان ، وقد جمع الألبانى روايات هذا الحديث من جميع مصادره وصححه في صحيح الجامع رقم (1676) .
( [1] ) أخرجه البخارى رقم (4234) ، في المغازى ، باب غزوة خيبر ، ومسلم رقم (115) ، في الإيمان ، باب غلظ تحريم الغلول ، الموطأ (2/459) في الجهاد ، باب ما جاء في الغلول، وأبو داود رقم (2711) في الجهاد ، باب في تعظيم الغلول ، النسائى (4/24) في الإيمان والنذور .
( [2] ) رواه الترمذى رقم (2892) في ثواب القرآن وصحح إسناده شيخنا الألبانى .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.. أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، وكشف الله به الغمة ، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعد:-
فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وذكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور.
طبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
حياكم الله جميعاً وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنى وإياكم في الدنيا دائما وأبداً على طاعته وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار كرامته.
إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شىء قدير..
أما بعد:-
فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أحبتى في الله:
فى رحاب الدار الآخرة
سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
وهذا هو لقاءنا الثالث من لقاءات هذه السلسلة المباركة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الأول وتوقفنا مع الجنازة وهى في طريقها إلى القبر تتكلم، ثم توقفنا في اللقاء الماضي مع الجنازة وقد أغلق عليها القبر، ليعيش صاحبها في نعيم مقيم، أو في عذاب أليم إلى قيام الساعة، وكان من الحكمة والمنطق قبل أن أتكلم عن مراحل الساعة أن أتحدث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى، ولذا فإن حديثنا اليوم مع حضراتكم عن العلامات الصغرى بين يدى الساعة.
وكعادتنا سوف ينتظم حديثنا اليوم مع حضراتكم في العلامات الصغرى في العناصر التالية:
أولاً: الساعة آتية لاريب فيها
ثانياً: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت
ثالثاً: العلامات الصغرى التي وقعت ولم تنقضِ
رابعاً: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعا ممن: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ [الزمر:18] .
أولاً: الساعة آتية لا ريب فيها:
أحبتي في الله: