فهرس الكتاب

الصفحة 3290 من 9994

#العدل بين الأولاد

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

قضايا الأسرة, مكارم الأخلاق

رضا بن محمد السنوسي

مكة المكرمة

السنوسي

ملخص الخطبة

1-الأبناء عطية وهبة من الله. 2- أنبياء الله يسألونه الولد الصالح. 3- مسئولية الوالدين في التربية. 4- العدل بين الأولاد ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية. 5- تفضيل بعض الأولاد سبب للحقد والعداوة. 6- البعض يحرمون بناتهم من الميراث وسواه من الحقوق. 7- قصة والدي النعمان بن بشير. 8- جزاء العدل في الآخرة.

الخطبة الأولى

أما بعد:

أحبتي في الله: الأبناء هم عدة المستقبل ورجال الغد، وهم ثمار القلوب وعماد الظهور، وفلذات الأكباد، حبهم مغروس في النفوس، فالمرء يرى فيهم مستقبله المشرق وامتداده الطبيعي بعد الوفاة، وما من أحد من الناس إلا وهو يحب الأبناء، ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه الأبناء والأحفاد.

وأنبياء الله المكرمون قد حرصوا على الذرية، وطلبوا من المولى سبحانه وتعالى أن يرزقهم الأبناء الصالحين الذين يكونون القدوة والأسوة لمن بعدهم، فهذا إبراهيم عليه السلام يسأل ربه الذرية الصالحة قائلاً: رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينِ [الصافات: 100] . وهذا زكريا عليه السلام يناجي ربه، ويسأله الولد ليكون وارثاً للنبوة من بعده قائلاً: فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً [مريم:5-6] .

والقرآن الكريم حينما تحدث عن صفات عباد الله الصالحين ذكر أن من دعائهم لربهم أن يهبهم الله الولد الصالح، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] .

ولما كان للأبناء هذا الدور في الحياة، فقد حرص الإسلام أشد الحرص على بناء الأبناء البناء السليم الذي يُقوم سلوكهم وأخلاقهم، وينشئهم النشأة الصالحة التي تعتمد على التربية والتوجيه وغرس الإيمان في القلوب وإقامة الدعائم الأخلاقية والقيم الاجتماعية في قلوب الأبناء.

وقد أناط مسئولية التربية والتوجيه إلى الوالدين، وخص الأب بعظيم المسئولية في هذا وجعل القوامة بيده ليحسن التصرف والتربية، وإن من مقتضى هذه القوامة أن يحسن تربية الأبناء التربية الإسلامية التي تقربهم إلى الله زلفى، وأن يحرص في ذلك على إقامة العدل بين الأبناء، فإنه إن أقامه بينهم فقد أحسن لهم، وأعانهم على البر، وحقق بينهم المحبة والأخوة.

وإن اندفع مع هواه واتبع عاطفته أو تأثر بأي عامل من عوامل التأثير، فمال إلى تفضيل بعض الأبناء على بعض بتفضيل الذكور على الإناث، أو الصغار على الكبار، أو أولاد الجديدة على القديمة، أو غير ذلك من ألوان التفريق، فقد أوقع نفسه في الظلم، وساق بها إلى الهلكة، وساهم في تصدع بناء الأسرة وتفكك أعضائها وإيجاد العداوة والبغضاء بين الأبناء، فأدى ذلك إلى عقوقه في الحياة وبعد الممات، وأدى ذلك إلى ظهور العدوان وكثرة الخصام والشقاق بين الإخوان.

وفي قصة يوسف مع إخوته عبرة وعظة لأولي الألباب لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايَاتٌ لّلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلالٍ مُّبِينٍ اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:7-9] .

إن مثل هذه التصرفات تجعل الأسرة في صراع دائم وتفكك مستمر، والسبب في ذلك عدم العدل بين الأولاد، واستبدال ذلك بالظلم الذي نهى الشارع عنه، إن بعض الرجال من الآباء الذين شذت طباعهم، وغلظت أكبادهم، وجمدت عواطفهم وغاب عنهم ما أمر الله به من العدل يقومون بحرمان البنات من المال وإيثار الذكور من الرجال بذلك، والحجة لهم في هذا أن الذكور امتداد لهم، فهم أولى بحمل الراية من بعدهم، فهم أولى بالمال من البنات، بل إن البنت إنما تأخذ مالها لتعطيه لزوجها الذي هو في نظر بعض الآباء غريب عن الأسرة، ليس له في المال من نصيب، وهذا الفعل من الظلم الذي نهى الله عنه، فإن الله سبحانه قد أعطى كل ذي حق حقه، فالواجب على الآباء تحقيق أمر الله، وترك الظلم الذي يقع على الأبناء والإنسان لا يدري أين الخير في الذكور أم في الإناث، ومولانا يقول: ءابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً [النساء:11] .

والحق أننا سمعنا من بعض الآباء الذين فعلوا ببناتهم مثل هذا، فخصوا الذكر بالأموال، ونال البنات القليل جداً من المال، ثم كانت عاقبة أمرهم خسراً، نعوذ بالله من الخزي والندامة في الدنيا وفي دار المقامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت