وعلى ذلك فالدعوة إلى العودة إلى منهاج السلف الصالح علماً وعملاً، وسلوكاً ومنهجاً، هو الواجب عند اختلاف الأمة وتفرقها، كما أخبر بذلك رسول الله e، وتفصيل ذلك يطول، وقد كُتبت فيه والحمد لله دراسات متعددة.
عباد الله:
ولعلي أشير- في هذه العجالة- إلى جملةٍ من الأسس التي لابد منها، أهمها:
اليقين القاطع الذي لا يتزعزع بصلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان، ومنه هذا العصر الذي نعيشه، بعولمته، وتقنياته، وقوة أعداء الإسلام المادية، وضعف المسلمين وتأخرهم.
وليس هذا من باب الأماني، ولا من باب التعلق بمطلق الغيبيات الذي يحاول التيار العلماني أن يفسر به الحلول الإسلامية المؤصلة، ولكنه حقائق هذا الدين علماً وعملاً، وتاريخاً وحضارةً وتجربة، وشهاداتٍ من الأعداء تلجمُ أفواه هؤلاء الذين ما فتئوا يطعنون في هذا الدين وحقائقه العقدية والشرعية الكاملة، وها هي تجاربهم العلمانية- على مختلف مدارسها الفكرية- وعلى مدار قرابة المائة عام، لم تقدم فكراً مؤصلا، ولا مواجهةً لحضارة الغرب، ولا نصراً على الأعداء، ولا حياةً هنيئةً لشعوبهم المسكينة، بل جرت الأمة إلى ألوانٍ من الهزائم العسكرية والسياسية، والثقافية والاجتماعية والتقنية، ونحن في مزيد.
ولكن ينبغي أن يعلم جميع من يحبُّ هذا الدين، ويفرح بالانتساب إليه، ويرى فيه الحلول المثلى لواقعنا، أن هذا لا يكفي، وأن مجرد العواطف الجياشة لا تصنعُ شيئاً بمجردها.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الذي أعزَّنا بالدين، وجعلنا خيرَ أمةٍ أخرجت للعامين، وأشهد ألا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، ولي المؤمنين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله سيدُ الأولين والآخرين- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الدعاة المجاهدين وسلم- تسليما.
فأيها المسلمون:
لابد- إن كنا جادين في أخذ هذا الدين بقوة- من أمورٍ ثلاثة:
الأول: العودة الصادقة إلى هذا الدين والثبات عليه، ونعني بذلك أن تعود الأمة
إلى إسلامها، عقيدةً وشريعةً ومنهاج حياة، وثقةً بهذا الدين وصلاحيته، وأن تأخذه بقوةٍ وصدق مع ربها تبارك وتعالى، وأن لا يزيدها عداءَ الأعداء واتهاماتهم وأقاويلهم إلا ثباتاً على هذا الدين، وثقةً به وتمسكاً بحبل الله المتين.
ومن ثم فلا مجال في هذه الأمة- إن أردنا العودة حقاً وصدفاً- للمشككين والمرتابين والمنافقين، فضلاً عن الملاحدة والزنادقة المعلنين رفضهم لهذا الدين.
الثاني: اليقين التام بأن هذا الدين حق، لأنَّه من عند الله تعالى، الملك الحق المبين،الذي أرسل خاتم رسله محمداً e، لتكون رسالته ناسخةً لما سبقها من الديانات، فدين اليهود أو النصارى لو فرض أن أهله تخلوا عن كل كفرٍ وشرك، عرفوا به ولم يؤمن!ا ويتبعوا محمداً e، فهم على ضلالٍ وكفرٍ بحكم رب العالمين، قال تعالى: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) (آل عمران:85) .
ويتبع ذلك اليقين بأن الله ناصرُ هذا الدين، وأهله المتمسكين به كما أمر وشرع،وقد جاءت السنة النبوية الصحيحة مبينةً بقاءَ هذا الدين وأتباعه، ونصرهم إلى أن تقوم الساعة، وعليه فالمستقبل- على كل الأحوال- لدين الإسلام.
وعلى المسلمين أن يعوا هذه الحقائق، وهم يقدمون دينهم إلى العالمين جميعاً، هدى ونوراً ورحمة وإنقاذاً لهم من عذاب الله تعالى، وأن يتمسكوا به وهم يواجهون أصناف الكفار والأعداء، على مختلف عقائدهم ومللهم ونحلهم.
الثالث: الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، كما فعل رسول الله e وصحابته الكرام وهذا يقتضي:
أ - العمل بهذا الدين وتطبيقه في واقع حياتنا الخاصة والعامة، علماً وعملاً، عقيدةً وشريعة، عبادةً ومعاملات ،حكاماً ومحكومين،ولنعلم أنه مالم نعمل بهذا في خاصة أنفسنا نحن المسلمين، فلن نستطيع تقديم هذا الدين للآخرين ودعوتهم إليه.
ب- الأخذ بالأسباب المادية التي أمر بها شرعنا الحنيف، فهي في النهاية شرعيةٌ مادية، وذلك بأن نأخذ بأسباب ووسائل القوةِ ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ، وذلك في جميع المجالات المختلفة الاجتماعيةِ والزراعيةِ، والصناعيةِ والاقتصادية،والتقنية على مختلف فروعها.
وديننا والحمد لله لم يعرف- قديماً أو حديثاً- الصراعَ بين حقائقهِ الثابتة، والعلمُ المادي الصحيح النافع !! وإن كانت التيارات العلمانية في العالم الإسلامي- تقليداً لظروف علمانيةَ الغرب، وصراع الكنيسة والعلم عندهم، تحاول أن تنقل الصراع نفسهُ إلى عالم الإسلام والمسلمين، نظراً لبغضها وحقدها على دين الإسلام، وجهل بعضهم به.
ودين الإسلام إنما يحاربُ إلحاد الغرب وزندقته،وانحرافه وتحلله وضلاله، واستعماره وظلمه، وحربه الضروس ضد الإسلام أمام التقدم العلمي المادي النافع- على مختلف تخصصاته وفروعه- فهو من أكبر الداعين إليه .
وها هي شواهد حضارة الإسلام تدلُ على ذلك.
اللهم أعز الإسلام وأنصر المسلمين ...
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره - خطورة التقصير في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - خطورة فُشو المنكرات - حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد على الشبهات - آداب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - أثر وجود جهاز مخصص للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قِبَل الدولة
الخطبة الأولى
فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، وانتهوا عن معاصيه، والانقياد لأماني النفوس، ووساوس الشيطان، فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
أيها المؤمنون: أفشوا التناصح بينكم.. مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وخذوا على يد السفيه.
ولتعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هو حصن الإسلام الحصين، والدرع الواقي من الشرور والفتن، والسياج من المعاصي والمحن، يحمي أهل الاسلام من نزوات الشياطين ودعوات المبطلين.
إنه الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرمات المسلمين.
وهل تظهر أعلام الشريعة وتفشوا أحكام الإسلام ألا بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا تستوفى أركان الخيرية لهذا الأمة المحمدية إلا به: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [آل عمران:110] .
إنه مجاهدة دائبة دائمة من كل مسلم حسب طاقته لإبقاء أعلام الإسلام ظاهرة، والمنكرات قصية مطمورة. هو فيصل التفرقة بين المنافقين والمؤمنين: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف [التوبة:67] .
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [التوبة:71] .
ولهذا يقول الغزالي رحمه الله:فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين.
أيها الإخوة المؤمنون: بارتفاع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور. يورث القوة والعزة في المؤمنين المستمسكين، ويذل أهل المعاصي والأهواء.
يقول سفيان رحمه الله: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر أخيك، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.