فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 9994

من حِكَم الحج وأسراره

الحمد لله الذي جعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفًا وتحصينًا ومنًا، فرض علينا حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الظمآن ويألهون إليه ولوه الحمام، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، واختار من بين خلقه ُسماعًا أجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا موقف أنبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله سبحانه للإسلام علمًا، وللعائذين حرمًا، فرض حجه، وأوجب حقه، وكتب علينا وفادته. والصلاة و السلام على نبي الرحمة، وسيد الأمة محمد بن عبد الله ورسوله وصفيه وخليله.

أما بعد:

إن الله تعالى لم يشرع أي عبادة من العبادات إلا ولها حِكَم بالغة، وفوائد جمة، والحج من العبادات العظيمة التي يستفيد منها المسلم شتى الفوائد، فالناس ما زالوا مذ أذن فيهم إبراهيم عليه السلام بالحج يفدون إلى بيت الله الحرام، في كل عام من أصقاع الأرض كلها، وأرجاء المعمورة جميعها، مختلفة ألسنتهم، متباينة بلدانهم، متمايزة ألوانهم يفدون إليه، وأفئدتهم ترف إلى رؤيته والطواف به، الغني القادر والفقير المعدم، ومئات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله التي أذن بها إبراهيم عليه السلام منذ سنين عديدة.

إن الحجاج إذ يستبدلون بزيهم الوطني، زيَّ الحج الموحد، ويُصبحون جميعًا بمظهر واحد لايتميز شرقيهم من غربيهم، ولا عربيهم من عجميهم، كلهم لبسوا لباسًا واحدًا، وتوجهوا إلى رب واحد بدعاء واحد: (( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) (1) . وتراهم قد نسوا كل الهتافات الوطنية، وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية ونكسوا الرايات العصبية، ورفعوا راية واحدة هي: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله يطوفون حول بيت واحد، مختلطة أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، يؤدون نسكًا واحدًا إن الإسلام يوم شرع الحج للناس، أراد فيما أراد من الحكم، أن يكونوا أمة واحدة متعاونة متناصرة متآلفة متكاتفة، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

إن من حِكَم الحج أن الله جعله سببًا لمغفرة الذنوب، وإزالة الخطايا إلا حقوق الآدميين فإنها تتعلق بالذمة، حتى يجمع الله أصحاب الحقوق، ليأخذ كلٌ حقه، ومن الجائز أن الله تعالى يتكرم، فيرضي صاحب الحق بما أعد له من النعيم وحسن الجزاء، فيسامح المدين تفضلًا وتكرمًا، فلا بد من أداء حقوق الآدميين، أما حقوق الله فمبنية على تسامح الكريم الغفور الرحيم. والحج يطهر النفس، ويعيدها إلى الصفا والإخلاص، مما يؤدي إلى تجديد الحياة، ورفع معنويات الإنسان، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى.

ومن حِكَم الحج أنه يُقوِّي الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله، ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق، ويهذب النفس، ويرقق المشاعر ويهيج العواطف.

ومن حكم الحج أنه يذكر المؤمن بما في الإسلام التليد، وبجهاد النبي صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح الذين أناروا الدنيا بالعمل الصالح.

والحج كغيره من الأسفار يُعوِّد الإنسان الصبر وتحمل المتاعب، ويعلم الانضباط والتزام الأوامر، فيستعذب الألم في سبيل إرضاء الله تعالى، ويدفع إلى التضحية والإيثار. وبالحج يؤدي العبد لربه شكر النعمة: نعمة المال، ونعمة العافية، ويغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الصادق الأكيد لشرع الله ودينه.

قال الكاساني: في الحج إظهار العبودية وشكر النعمة، أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج كذلك، لأن الحاج في حال إحرامه يُظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق، ويظهر بصورة عبد سخط عليه مولاه، فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه، وأما شكر النعمة فلأن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية، والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن، فكان فيه شكر النعمتين، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المنعم، وشكر النعمة واجب عقلًا وشرعًا.

ومن فوائد وحِكَم الحج أنه يؤدي إلى تعارف أبناء الأمة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم.2

إن إدراك العبد لحقيقة الحج، والحكم والأسرار التي شرعت الشعائر من أجلها؛ يهيئه ليكون حجه مبرورًا، إذ القيام بذلك بمثابة الخشوع في الصلاة، فمن كان فيها أكثر خشوعًا كانت صلاته أكثر قبولًا، وكذلك الحج: كلما استوعب المرء حقيقة الحج وروحه والحكم والغايات التي شُرع من أجلها، واتخذ ذلك وسيلة لتصحيح عقيدته وسلوكه، كان حجه أكثر قبولًا وأعظم أجرًا واستفادة، ولن يتمكن أحد من ذلك ما لم يقم بتهيئة نفسه ،ويستغرق في التأمل والبحث عن أسرار الحج وحكمه، أما من لم يكن كذلك فيخشى أن يكون عمله مزيجًا من السياحة والمتاعب لا غير. ومن الحِكَم: تحقيق التقوى. فالغاية من الحج تحقيق التقوى ولذا نجد ارتباط التقوى بالحج في آيات الحج بشكل واضح جلي قال تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} (196) سورة البقرة. {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (197) سورة البقرة.

ومن حِكَم الحج: تأصيل قضية التوحيد في النفوس وتأكيدها: فالحج يرتكز على تجريد النية لله تعالى وإرادته بالعمل دون سواه قال تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} (196) سورة البقرة. وقال -عز وجل- في ثنايا آيات الحج: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (30-31) سورة الحج. وفي التلبية جاء إفراد الله صريحًا: (( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) ) (3) كما أن الحج يرتكز على توحيد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الوقوع في شرك الطاعة؛ إذ لا مجال للتمسك في الشعيرة بالأهواء والعوائد، بل لا بد من التأسي به صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه.

ومن أبرز غايات الحج وحكمه: تربية العبد على استحسان شعائر الله وحرماته، وإجلالها ومحبتها، والتحرج من المساس بها، أو هتكها، قال تعالى في ثنايا آيات الحج: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (32) سورة الحج.

ومن حِكَم الحج التربية على الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة، ومن ذلك:

أ - العفة. قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (197) سورة البقرة.والرفث هو الجماع، ودواعيه من القول والفعل.

ب_ كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة، قال الله عز وجل: {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (197) سورة البقرة.

قال عطاء: والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك، والأظهر أن المراد بنفي الجدال في الآية نفي الجنس المراد به المبالغة في النهي عن الجدال المذموم فقط، وهو النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية.

ج- الرفق واللين والسكينة: قال صلى الله عليه وسلم عندما سمع زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل في الدفع من مزدلفة: (أيها الناس: عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) (4) (يعني الإسراع) .

د- إنكار الذات والاندماج في المجموع: ففي الحج ينكر العبد ذاته، ويتجرد عما يستطيع أن يخص نفسه به، ويندمج مع إخوانه في الحجيج في اللباس والهتاف والتنقل والعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت