الحمد لله ذو الجلال والإكرام، الحمد لله ذو الفضل والإنعام، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشكره شكر الحامدين، الحمد لله الذي أطعم من الجوع، وسقى من الظمأ، وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلاً، فلله الحمد من قبل ومن بعد، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي ، وله الحمد بعد الرضى، الحمد لله على نعمه، والشكر له على مننه، الحمد لله فقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير البشر-صلى الله وسلم عليه-ما سمعت أذن بخبر، وما اتصلت عين بنظر، وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرض الأكبر . . . أما بعد:
نص الحديث:
وعن أبي كَريمَةَ المِقْدامِ بن معْدِ يكَرِب-رضي اللَّه عنه-قال: سمِعتُ رسول اللَّه-صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- يقَولُ: (مَا ملأَ آدمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطنِه، بِحسْبِ ابن آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبُهُ، فإِنْ كَانَ لا مَحالَةَ، فَثلُثٌ لطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) .رواه الترمذي وقال: حديث حسن ."أُكُلاتٌ"أَيْ: لُقمٌ (1) .
المعنى العام للحديث:
هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، فقد روي أن ابن ما سويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في"كتاب"أبي خيثمة، قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات، سلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنما قال هذا؛ لأن أصل كل داء التخم، كما قال بعضهم: أصل كل داء البردة (2) .
وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الداء (3) .
وقال أيضاً: الذي قتل البرية، وأهلك السباع في البرية، إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
وقد ذكر لهذا الحديث سببٌ، فقد روى أبو القاسم البغوي في"معجمه"من حديث عبد الرحمن بن المرقع، قال: فتح رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خيبر وهي مخضرة من الفواكه، فواقع الناس الفاكهة، فمغثتهم الحمى، فشكوا إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم:"إنما الحمى رائدُ الموت وسجن الله في الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان، فصبوها عليكم بين الصلاتين"يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"لم يخلق الله وعاءً إذا مُلِئَ شرَّاً من بطن، فإن كان لابدّ، فاجعلوا ثُلُثاً للطَّعام، وثُلثاً للشَّراب، وثُلثاً للرِّيح" (4) .
شرح الحديث:
إن الدين الإسلامي الحنيف جاء ليحافظ على الضرورات الخمس، وإن النفس واحدة من هذه الضرورات، بل هي أهمها، فقد جاء الإسلام ليبين للإنسان أسباب هلاك النفس، لكي يكون على علم بما يصح به جسده فيحفظ نفسه، وبما يمرض جسده فيهلك نفسه، وإن هذا الحديث الطبي النبوي جاء ليعالج جسم الإنسان، فيركز على أخطر شيء فيه، ألا وهو البطن، فيأتي الطب الحديث ليتكلم بهذا، فيعترف الأطباء بأن أصل الداء هو ملئ البطن. فيقول الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحِمية رأس الدواء، والبِطنةُ رأسُ الداء.
وقال غيره لو قيل لأهل القبور: ما كان سببُ آجالكم؟ قالوا: التُّخَمُ.
فهذا الكلام يدل على أن الطب توصل إلى أن صحة البدن في تقليل الغذاء، وترك التملي من الطعام.
النبي-صلى الله عليه وسلم-يندب إلى التقليل من الأكل:
ندب النبي-صلى الله عليه وسلم-إلى التقليل من الأكل في حديث المقدام، السابق حيث قال:"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" (5) . وفي"الصحيحين"عنه-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (المؤمن يأكل في مِعىً واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) (6) . والمراد أن المؤمن يأكل بأدب الشرع، فيأكل في معى واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء.
وندب-صلى الله عليه وسلم-مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار الباقي منه، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة) (7) .
فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثاً، كما ذكره النبي-صلى الله عليه وسلم-في المقدام، فإن كثرة الشرب تجلب النوم، وتفسد الطعام (8) .
وعن أبي برزة عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:"إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى" (9) .
وكان السلف الصالح يندبون إلى التقليل من الأكل فقد جاء أن الحسن البصري قال:"يا ابن آدم كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلث، ودع ثلث بطنك يتنفس لتتفكر."