فهرس الكتاب

الصفحة 9672 من 9994

إن الجواب على هذه الأسئلة ماترونه من أحوال أبناء هؤلاء لا ماتسمعون. . فيا أولياء الأمور اتقوا الله فيمن استرعاكم الله إياهم مروا أولادكم بالمعروف ورغبوهم فيه وانهوهم عن المنكر ونفروهم منه احفظوهم عن قرناء السوء وأصحاب الشر أبعدوهم عن وسائل الإعلام الفاسد أشغلوا أوقاتهم في هذه الإجازة بما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم وبادروا بذلك كله في أوائل أعمارهم فإن الأمر كما قيل:

إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا قومتها الخشب

الخطبة الثانية

أما بعد..

فيا أيها المؤمنون إن الوقفة الثالثة مع أولئك الذي قد شدوا حقائبهم وأعدوا أمتعتهم وحجزوا مراكبهم للسفر إلى بلاد الكفر والبلاء ومواطن الفتنة العمياء في الغرب أو الشرق وما شابهها من البلدان العربية أو الإسلامية. . . إلى هؤلاء أقول: اتقوا الله في أنفسكم وأهليكم فإن السفر إلى تلك البلاد محرم لا يجوز لما فيه من تعريض النفس والأهل والولد للفتنة التي أعلاها الكفر بالله تعالى وأدناها موافقة المعاصي والذنوب أو على أقل الأحوال استساغة المنكر والفجور فإن تلك البلاد والمصايف قد تعرت قلوب أهلها عن الإيمان وانسلخت أجسادهم عن زي أهل الحشمة والحياء والإسلام وانتشرت بين أهلها الخمور وظهر الزنى والخنا فعدّ المنكر معروفاً والمعروف منكراً فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولا شك أن من ذهب إلى تلك الأمصار فقد عرض نفسه للفتن والأخطار وأنت يا عبد الله مأمور بالنأي عن الفتن صغيرها وكبيرها فقد قال النبي e في فتنة الدجال وأخبر أن خير مال المسلم في آخر الزمان غنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن (10) وأعاذنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن وليعلم هؤلاء المفتونون بالسفر إلى تلك البلاد أن عليهم وزر كل ذنب يقارفه أولادهم و أهلوهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) ) (11) .

الوقفة الأخيرة هي مع ورثة الأنبياء من الدعاة وطلبة العلم فأقول لهؤلاء: أنتم يا من عقد الأمة عليكم آمالها ورنت اليكم بأبصارها وهوت إليكم بأفئدتها إن المسؤولية التي أنيطت بكم وألقيت على كاهلكم في توجيه الناس وتربيتهم ودعوتهم وتبصيرهم أعظم من غيركم لا سيما في هذا الزمان الذي كثر فيه الباطل والفساد ونفقت فيه سلع أهل الكفر والإلحاد ونشط دعاة التغريب والإفساد وقويت فيه أسباب الزيغ والانحراف فالأمة مهددة بجحافل هؤلاء المفسدين المتربصين الذين يجرون الناس إلى الفساد جراً ويأطرونهم على الكفر والفسوق والعصيان أطراً.

فواجبكم إزاء هذا الواقع المفزع المرير كبير خطير لا يسوغ لكم التخلي عنه ولا الرجوع عنه، فسابقوا بارك الله فيكم أعداءكم واعملوا بمضاء وجد فاجتهدوا في الدعوة إلى الله تعالى اسلكوا كل سبيل واطرقوا كل باب لنشر الخير بين الناس سافروا إلى القرى والأمصار وعلموا الجاهل وأرشدوا التائه ودلوا الحائر مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حذروا الناس من الفساد والعصيان، عروا لهم الباطل واهتكوا ستره واكشفوا زيفه واجهوا الغارة الشعواء التي يشنها خصوم الإسلام وأعداؤه بالعلم والبيان والدعوة والصبر والإيمان قاوموا وسائل التدمير والإفساد بوسائل البناء والإرشاد انشروا الكلمة الطيبة والمحاضرة النافعة والكتاب المفيد أقيموا الدروس والكلمات في مساجدكم وأحيائكم ومجالسكم وإجتماتكم وليبذل كل منكم في مجاله: فالمدرس في حلقته والمربي في مركزه والإغاثي في مواطن الاحتياج إليه أخلصوا في ذلك كله لله تعالى فإن ما كان لله يبقى وما كان لغيره يذهب أدراج الرياح لاتحقروا من أعمال البر والدعوة شيئاً ولو أن تلقى أخاك المسلم بوجه طلق.

واعلموا أنكم إذا أخذتم بذلك من أحسن الناس قولاً قال الله تعالى: ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ? (12) .

(1) أخرجه البخاري في الرقاق من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه برقم 6412.

(2) الشرح: 7-8.

(3) آل عمران: من الآية41.

(4) الروم: 18.

(5) الحجر: 99.

(6) رواه الحاكم بسند جيد.

(7) أخرجه البخاري في الجنائز من حديث ابي هريرة رضي الله عنه برقم 1385.

(8) التحريم: 6.

(9) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث عبدالله ابن عمر رضي الله عنه برقم 893 وأخرجه مسلم في الإمارة برقم 1829.

(10) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم 19.

(11) أخرجه مسلم في العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2674.

(12) فصلت: 33.

الخطبة الأولى

أما بعد. .

فاتقوا الله أيها المؤمنون واعلموا أن شهر رمضان لم يكن عند سلفنا شهر صيام وقيام ودعاء واعتكاف وعمرة وإكثار من العبادة فحسب بل كان شهر جهاد ومجاهدة ودعوة وعمل فقد سطروا فيه أعظم الانتصارات وأكبر الفتوحات وإن ليالي هذا الشهر وأيامه تحكي ما حققته الأمة من انتصارات وأمجاد فقد كان في هذا الشهر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان في غزوة بدر الكبرى التي هي شامة في جبين التاريخ.

إذا قامت الدنيا تعد مفاخراً فتاريخنا الوضاح من بدر ابتدا

فقد فرق الله في هذه الغزوة بين الحق والباطل فنصر الله دينه وأظهر نبيه وأطاح رؤوس الكفر والشر والظلم والطغيان قال الله تعالى: ?وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ? (1) ، فكانت هذه الغزوة صفحة من صفحات المجد المشرق في تاريخ هذه الآمة. وقد منّ الله تعالى على الأمة في هذا الشهر أيضاً ففتح بيته لنبيه وطهّره من أوضار الشرك ولوثات الكفر ومظاهر الظلم والاستكبار فكان حدثاً عظيماً كبيراً ليس في تاريخ الأمة فحسب بل وفي تاريخ البشرية كلها، كيف لا؟ وقد أعز الله بهذا الفتح دينه ورسوله وحزبه واستنقذ به بلده وبيته من أيدي الكفار والمشركين وقد استبشر بهذا الفتح أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس به في دين الله أفواجاً وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً وانحسرت به الوثنية في جزيرة العرب. وما انفك هذا الشهر المعطاء أن يكون محلاً ومضماراً لأمجاد وبطولات وانتصارات لهذه الأمة عبر التاريخ وهذا يؤكد أن شهر الصيام له أثر بالغ في تحقيق النصر وصناعة المجد وكيف لا يكون كذلك وهو شهر الصبر والتقوى أما الصبر فإن من الكلام المأثور:"الصوم نصف الصبر"فالصوم يربي المسلم على ترك المحاب والملاذ والشهوات ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) ) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت