فهرس الكتاب

الصفحة 7937 من 9994

وفي الحديث الصحيح أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ سألت رسول الله ـ r ـ عن قوله تعالى (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) )فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ فقال: (( لا يا أبنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون و يتصدقون وهم يخافون أن تقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) ) (المؤمنون:60) .

فيا مَنْ أنعم الله عليه خلالَ شهرِ رمضان بتوبةٍ صادقة وعمل صالح إنني أقول لك حافظ على هذه النعمة واحفظ هذا الثواب ولا تضيّعه .

وإياك أن تفسد ما عملت ، وتنقضَ ما أبرمت ، إنَّ علامةَ التوبةِ الصادقة البكاء على ما سلف وعدمُ الرجوع إلى الذنب وهجرانُ إخوانِ السوء ) فمن دوامَ على الأعمال الصالحة وأخلص في أموره كلها فهنيئاً له ثوابَ المستقيمين (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ـ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) ) (فصلت:30-31) .

وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ) (آل عمران:135-136) .

جعلني الله وإياكم منهم إنه جوادٌ كريم .

عباد الله: إن فضل الله عليكم متواصل ومواسمَ المغفرة متتاليه ـ لذوي الهمم العالية ـ فحين انقضى شهر الصيام ـ دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام فكما أن من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه فكذلك من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ، فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات إلاَّ ولله فيها عليه وظيفةٌ من وظائف الطاعات ، فالمؤمن الموفق يغتنم هذه الوظائف ويتقرّب بها إلى مولاه ـ فاشكروا ربكم ـ على هذه المواسم الفاضلة ، والتجارة الرابحة واعمروها بطاعته ولا تكونوا من الغافلين .

هذا وصلوا وسلموا على أمام المتقين .

الخطبة الأولى:

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها النّاس ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتّقوا الله رحمكم الله، فلباس التّقوى جُنّة يتحصّن بها المتحصِّنون، وخشيةُ الله عروةٌ وثْقى يتمسّك بها المتمسِّكون، وأداءُ الفرائض واجتناب المحرّمات وسيلةُ مثلى يتوسّل بها المتوسّلون.

أيّها المسلمون، مَن تأمَّل مقاصدَ الشّرع في العبادات والمعاملات والآدابِ والأخلاق والأوامِر والنّواهي تبيّن له مقصدٌ كبير وغاية عُظمى، تلكم هي جمعُ الكلِمة وغرسُ المحبّة وزرعُ الأُلفة ونشر المودّة بين أفرادِ الأمّة، والحثّ على التناصُر والتعاون والبعدُ عن أسباب العداوة والبغضاء وما يحمِل على الكراهة والشّحناء وما يثير الأحقادَ وضَغائن القلوب والتحذيرُ الشديد مِن الطّعن في المسلمين وعيبِهم وهمزِهم ولمزهِم وإبداء عوراتِهم وتتبُّع عثَراتِهم والتّشهير بهم وإساءةِ الظنِّ بهم والاتهام ببدعةٍ أو كفر أو فسوقٍ أو نفاق أو ظلمٍ أو جهل.

جمعُ الكلمَة ـ أيّها المسلمون ـ سبيلهُ إقامةُ شرع الله وإظهار شعارِ الإسلام وشعائره والتعاون على البرّ والتقوى والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والنصحُ المشفق لكلّ مسلم. ولا تكون قوّة أهل الإسلام ونفاذ كلمتهم وشدّةُ منَعَتهم إلاّ بتناصرهم وتآزُرهم.

أيّها الإخوة في الله، وإنَّ متغيِّراتِ العصرِ ومضلاّت الفتَن وتكالبَ الأعداء وتداعيَ الأكَلَة تدعو المسلم الغيورَ على أمّتِه النّاصح لإخوانه لأن يربَأ بنفسه أن يكونَ مِعوَلاً في يدِ أعدائه مِن حيث يدري أو لا يدري، يقعُ في إخوانه المسلمين، فيَشتم هذا، ويشهِّر بهذا، ويتنقّصُ هذا، ويحتقِر هذا، ويكفِّر ويبدِّع، بل قد يسلَم منه الكافرُ والمشرك، ولا يسلم منه أخوه المسلم.

عبادَ الله، وهذه ـ حفظكم الله ـ وقفةٌ عِند فتنة خطيرةٍ، بدأت تُطِلّ برأسها في بعض المجتمعات والفئات، ينبغي أن يتنادَى أهلُ العِلم والإيمان والفضل والصّلاح والدّين والغيرة إلى مقاومتِها والتّحذير منها. حذّر منها السّلفُ رحمهم الله، وبيّنوا خطرَها وعوارها، إنّها مسألة تكفير المسلمِ لأخيه المسلم والمجازفةُ بالحكم على المسلم بخروجه من ملّةِ الإسلام وعدِّه مِن أهلِ الكفرِ والشّرك والقطعُ والجزم بأنّه خالد مخلّدٌ في النّار عياذًا بالله، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

مسألةُ التّكفير مِن المسائل الكبار والقضايا العِظام، لها آثارُها العظيمة، فلا يحلّ لمسلم أن يقدِم عليها إلا ببرهانٍ عنده من الله ودليلٍ هو في دلالته أوضحُ من الشّمس في رابعة النّهار.

لقد نبّه أهلُ العلم سلفًا وخلفًا إلى خطورةِ هذه المسألة وعِظم شأنِها وما يترتّب عليها من آثارٍ وتبِعات في الدّنيا وفي الآخرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"اعلم أنّ مسائل التّكفير والتّفسيق هي من مسائلِ الأسماء والأحكام التي يتعلّق بها الوعدُ والوعيد في الدّار الآخرة، ويتعلّق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمةُ وغير ذلك في دار الدّنيا، فإنّ الله سبحانه أوجَب الجنّة للمؤمنين، وحرّم الجنّة على الكافرين، وهذه الأحكام الكلّية في كلّ وقت وفي كلّ مكان" [1] .

وقال ابن الوزير:"وكم بينَ إخراج عوامّ فِرَق الإسلام أجمَعين وجماهير العلماء المنتسِبين إلى الإسلام إخراجهم من الملّة الإسلاميّة وتكثير العدوّ بهم وبين إدخالهم في الإسلام ونصرتِه بهم وتكثير أهلِه وتقوية أمره، فلا يحلّ الجُهد في التفرقَة بتكلّف التّكفير لهم بالأدلّة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها ممّا يجمَع الكلمةَ ويقوّي الإسلامَ ويحقِن الدماء ويُسكّن الدّهماء"، قال:"وقد عوقِبت الخوارجُ أشدَّ العقوبةِ وذُمَّت أقبحَ الذمّ على تكفيرهم لعصاة المسلمين، فلا يأمن المكفِّر أن يقعَ في مثل ذنبهم، وهذا خطرٌ في الدّين جليل، فينبغي شدّة الاحتراز فيه".

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"وبالجملة فيجِب على مَن نصح نفسَه أن لا يتكلّمَ في هذه المسألة إلاّ بعلمٍ وبرهانٍ مِن الله، وليحذَر من إخراجِ رجلٍ مِن الإسلام بمجرّد فهمِه واستحسانِ عقلِه، فإنّ إخراجَ رجلٍ من الإسلام مِن أعظمِ أمور الدّين".

ويقول الإمام الشوكانيّ:"اعلَم أنّ الحكمَ على الرّجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقومَ عليه إلاّ ببرهان أوضحَ من الشّمس في رابعة النّهار، فإنّه قد ثبتَ في الأحاديث الصّحيحة المرويّة عن طريق جماعةٍ من الصّحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم أنّه قال: (( من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهما ) ) [2] ، وفي لفظ: (( من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدوّ الله وليس كذلك إلا حارَ عليه ) ) [3] ، أي: رجَع عليه، وفي حديث آخر: (( من رمَى مؤمِنًا، بكفرٍ فهو كقتلِه ) ) [4] ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت