عباد الله إن خيرية الرجل لا تقاس بصلاته وصيامه فحسب بل لا بد من النظر في أخلاقه وشيمه فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ًولا متفحشاً وكان يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) (11) متفق عليه.
أيها المؤمنون هذه بعض فضائل حسن الخلق ولولم يكن فيه إلا ضمان النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً في أعلى الجنة لمن حسن خلقه لكان كافياً ففي سنن أبي داود قال صلى الله عليه وسلم: (( أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) ) (12) فاجتهدوا أيها المؤمنون في تحسين أخلاقكم لتحرزوا بذلك تلك الفضائل العظيمة والدرجات الرفيعة والأجور الوفيرة فقد صدق من قال:
لو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير محاسن الأخلاق
الخطبة الثانية
أما بعد. .
فاتقوا الله عباد الله وحسنوا أخلاقكم فإن تقوى الله وحسن الخلق أكثرُ ما يدخل الناس الجنة واعلموا أيها المؤمنون أن حسن الخلق الذي رتبت عليه تلك الأجور العظام والفضائل الحسان إنما هو ما ابتغي به وجه الله ووافق فيه الظاهر الباطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ) (13) متفق عليه، فحسن الخلق المطلوب أيها المؤمنون سلامة في الظاهر ونقاء في الباطن وإن جماع حسن الخلق جاء في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي: ?خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ? (14) فمن عمل بهذه الآية فقد اجتمع له حسن الخلق، ففيها الأمر بإيصال الخير والنفع إلى الخلق أجمعين، وفيها الحث على احتمال الجنايات، والعفو عن الزلات، و فيها الأمر بمقابلة السيئات بالحسنات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وجماع حسن الخلق مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض"انتهى كلامه رحمه الله (15) .
أيها المؤمنون إن من أعظم ما تزكو به الأخلاق وتطيب به الخصال وتستقيم به الخلال كتاب الله الحكيم: القرآن العظيم، فإن أخلاقه أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها و أطيبها وأعظمها قال الله تعالى واصفاً خلق النبي صلى الله عليه وسلم: ?وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ? (16) . ولقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت: كان خلقه القرآن فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح هذا ما قالته عائشة رضي الله عنها في وصف خلقه.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لي لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً ) ) (17) فخير الأخلاق يا عباد الله ما كان مقتبساً من مشكاة القرآن الكريم فأقبلوا عليه أيها المؤمنون تلاوةً وحفظاً وعلماً وعملاً، احرصوا على معرفة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه فإنها من أعظم ما تطيب به الأخلاق.
اللهم إنك تحب معالي الأخلاق وتكره سيئها اللهم وفقنا إلى أحسن الأخلاق والأعمال واصرف عنا سيئها اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال والأدواء.
(1) أخرجه مالك بلاغاً في موطئه ( رقم 1609 ) وأحمد موصولاً في مسنده ( رقم 8939 ) والحاكم في المستدرك ( رقم 4221) وقال صحيح على شرط مسلم .
(2) آل عمران:164.
(3) القلم:4.
(4) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( رقم 10436 ) .
(5) أخرجه أحمد من حديث أبي ذر رضي الله عنه ( رقم 21026 ) والترمذي ( رقم 1987 ) .
(6) الأعراف:199.
(7) القلم:4 .
(8) أخرجه أحمد ( رقم 25010 ) والحاكم في المستدرك ( رقم 199 ) وقال صحيح على شرطهما .
(9) أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( رقم 26971 ) .
(10) ( رقم 485 ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
(11) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 6035 ) ومسلم في الفضائل (رقم 2321 ) .
(12) أخرجه أبو داود في الأدب ( رقم 4800 ) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه .
(13) أخرجه البخاري في الإيمان ( رقم 13 ) ومسلم في الإيمان (رقم 45 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
(14) الأعراف:199.
(15) سوء الخلق: ص 65.
(16) القلم:4.
(17) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 6038 ) وأخرجه مسلم في الفضائل (رقم 2309 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
الخطبة الأولى
أما بعد. .
أيها المؤمنون عباد الله، إن من نعم الله تعالى علينا في هذه الشريعة المباركة أن ألف بين قلوب المؤمنين وجمع شتاتها ولمَّ شعثها، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لتحقيق ذلك شرائع، وحد حدوداً، ففرض سبحانه وتعالى على المؤمنين واجبات وحقوقاً لبعضهم على بعض، تصلح ذات بينهم، وتجمع قلوبهم، وتؤلف بين صدورهم، فكان من تلك الشرائع حق الجوار.
أيها المؤمنون إن حق الجار على جاره مؤكد بالآيات البينات والأحاديث الواضحة، فهو شريعة محكمة وسنة قائمة قال الله تعالى: ?وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً? (1) .
ففي الآية الوصية بالجيران كلهم قريبهم وبعيدهم مسلمهم وكافرهم وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم حق الجار تأكيداً عظيماً ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر و عائشة رضي الله عنهم قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ) (2) وهذا يدل على تأكيد حق الجار فإن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن نهاية هذا الحرص وتلك الوصايا من جبريل عليه السلام أن يكون للجار نصيب من الميراث.
أيها المؤمنون إن حقوق الجار كثيرة عديدة وهي في الجملة دائرة على ثلاثة حقوق كبرى: الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، واحتمال الأذى منهم.
أما الحق الأول فإنه الإحسان إلى الجيران فقد أمر الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه فقال سبحانه: ?وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ? (3) . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ) ) (4) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام الجار وجعل ذلك من لوازم الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ) ) (5) .
أيها المؤمنون إن من الإحسان إلى الجيران سلامة القلب عليهم، وحب الخير لهم، ففي البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه ) ) (6) وفي هذا تأكيد حق الجار وأن الذي لا يحب لجاره ما يحب لنفسه من الخير فإنه ناقص الإيمان وفي هذا غاية التحذير ومنتهى التنفير عن إضمار السوء للجار قريباً كان أو بعيداً.