فهرس الكتاب

الصفحة 8601 من 9994

معشرَ الإخوةِ في الله، هذا حديثٌ عظيمٌ جليل، ممن لا ينطقُ عن الهوى، فيهِ تحذيرٌ لكم من خطرِ المنافقين، وفيه بيانٌ لمنهجِ الصحابةِ- رضي الله عنهم- في حرصهم على معرفةِ الشرِّ ليحذروه، وقد تكالبت عليهم الشرورُ من كلِّ جانب، وأنتم لا تعرفونها، بل تنساقونَ وراءَها، لأنَّها تُظهرُ لكم أشياءَ برَّاقةٍ لمَّاعة، بألسنةٍ كأنَّما يسيلُ منها العسل، وهُم واللهِ الخطرُ كلُّ الخطر، يقولُ نبيكم- صلى الله عليه وسلم- كما جاءَ عنه في الحديث الصحيح: (( إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي: كلَّ منافقٍ عليمُ اللسان ) ).

ويقول الحسنُ البصري- رحمه الله-: إنَّما الناسُ ثلاثةُ نفر: مؤمنٌ ومنافقٌ وكافر، فأمَّا المؤمنُ فعاملٌ بطاعة الله، وأمَّا الكافرُ فقد أذلهُ اللهُ تعالى كما رأيتم، وأمَّا المنافقُ فهاهنا وها هنا في الحُجَرِ والبيوتِ والطرق، نعوذُ بالله، واللهِ ما عرفوا ربَّهم بل عرفوا إنكارَهم لربهم بأعمالِهم الخبيثة، ظَهرَ الجفاء، وقلَّ العلمُ، وترتِ السنة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، حيارى، سُكارى، ليسوا يهوداً، ولا نصارى، ولا مجوساً، فيحذروا) .

وقال: إنَّ المؤمنَ لم يأخذ دينهُ عن الناسِ، ولكن أتاهُ من قبلِ اللهِ عزَّ وجلَ فأخذه، وإنَّ المنافقَ أعطى الناسَ لسانه، ومنعَ اللهُ قلبهُ وعمله، يحدثان أحدنا في الإسلام: رجلٌ ذو رأى سواءً، زعم أنَّ الجنةَ لمن رأى مثلَ رأيه، فسلَّ سيفهُ، وسفكَ دماءَ المسلمين، واستحلَّ حُرمتهم، ومترفٌ يعبدُ الدنيا، لها يغضبُ وعليها يُقاتل، ولها يطلبُ، وقال: يا سُبحانَ اللهِ ما لقيت هذهِ الأمةُ من منافقٍ قهرها واستأثر عليها، وما رق مرق من الدينِ فخرجَ عليها صنفانِ خبيثان، قد غمَّا كلَّ مسلم، يا ابن آدم دينُكَ دينك، فإنَّما هو لحمُكَ ودمُك، فإن تسلم فيا لها من راحة، ويا لها من نعمة، وإن تكنِ الأخرى فنعوذُ بالله، فإنَّما هي نارٌ لا تُطفئ، وجحيمٌ لا يُبرد، ونفسٌ لا تموت.

فالله الله معشرَ المسلمين، كُونُوا على حذرٍ من كلِّ ما يعُوقُكم عن هدفِكم، فما ظُاهِرُهُ اللهو وأنتم لا تدرون أنَّهُ تخديرٌ لكم، وتدرجٌ في إخراجِ نسائكم، حتى إذا هجمَ عليكم عدوٌ لا سمحَ الله، فإذا بكم صفرَ اليدين، بأيِّ رجالٍ تُقاتلونهُ، أم بأيِّ سلاحٍ تصدونهُ، أبشبابٍ همُّهُ الكرةُ وتشجيعُ الأندية؟ شبابٌ فتكت به المُخدرات، وأمرضت جسمَهُ الآفات، شبابٌ عبد الفيديو والمُسكرات، أم بتلك المَهرجاناتِ والاحتفالات، التي تُولونها هذا الاهتمام، وأَمَامكم قضايا، فما أشبهَكم بمريضٍ تسري الآلامُ في جسدهِ لا يعرضُ على طبيب، بل طبيبهُ اللهو واللذات العاجلة، حتى إذا تمكنَ المرضُ من جسدهِ أسلمَ الروحَ، وفارقَ تلك اللذاتِ، الله الله معشرَ الإخوةِ كُونوا مثلَ حُذيِّفةَ

الحمدُ لله، خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجها، وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءَ وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريك له، جعلَ الأرض فراشاً والسماءَ بناءَ

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ، أسمى البشريةِ سناً وسناءَ- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم- تسليماً كثيراً، أمَّا بعد:

فاتقوا اللهَ أيُّها المُسلمونَ، فمن اتقى اللهَ وقاهُ، ومن توكلَ عليهِ كفاه0

حينما كانَ الناسُ يخافونَ الله ويتقُونُهُ ،وحينما كانوا يُقُدِرُونه حقَّ قدرهِ ويُعظِمونَهُ،حينما كانَ شرعُ اللهِ حاكماً ومهيمناً على كلِّ تقاليدِ الناسِ وسلوكياتهم، يتقبَلُونَهُ بالرضى والتسليم، وحينما كانَ مبدأ القوامةِ ساريَ المفعول، وكان الناسُ يتعَامَلونَ بالحكمةِ والعقول، وحينما كانَ الناسُ تُربيهم المساجدُ بمواعِظِها وخُطِبها، والآياتِ التي تُتلى فيها، حينَ ذاكَ كانَ كلُّ شيءٍ في الحياةِ يُذَكِّرُ بالإسلام، مُعاملاتُنا لا غشَّ فيها ولا رياء، ولا خداعَ ولا تزوير، ولا رُشوَةَ ولا حسد، تدخلُ الأسواقَ فلا ترى إلاَّ كبيراتِ السنِ قد خرجنَ فُرادَى تفلا ت، في حِشمةٍ ووقَار، وحياءٍ واستتار، وبُعدٍ عن الأنظار، ملتصقاتٍ بالجدارِ، تأتي المساجدَ فتجِدُها عامرةً بالمصلينَ الراكعينَ الساجِدين، الذَاكِرينَ المُخبتينَ ممن قُلُوبُهم مُعلَّقةً بالمساجدِ زوجاتُهم، تكسُوها البسَاطةُ والاعتدال، فلا إسرافَ ولا اختيال، تسُودُها الأفراح، أفراحٌ بلا بطرٍ بلا نغمةٍ ولا وتر0

كانت كلُّ صُورِ حياتِهم يَرسِمُ لك الإسلامَ الحقيقي، والتمسكَ الصحيحِ بالمنهجِ الحق0

أمَّا يومَ أن ضعُفت هيبةُ اللهِ في ا لنفوسِ، وقلَّ الخوفُ من اللهِ، وغرقَ الناسُ في وحلِ الشهواتِ، يومَ أن أصبحتِ التقاليدُ والأعرافُ مُسيطِرَةً على حركاتِ الناسِ وسكنَاتِهم يرسِفُون في أغلاَلها 0

يومَ أن أصبحَ الناسُ يترَبُونَ على الغثائيةِ والسطحية، والمظهَرِيةِ الجوفاء، يستلهِمُونَ الأخلاقَ والسلوكَ من منابعِ العفنِ ومستنقعاتِ العطن، من قنواتٍ فضائيةٍ سافلة، أو إعلامٍ هابطٍ ومجالسٍ ساقطة0

يومَ أن أصبحت الكلمةُ النافذةُ للسفهاءِ والضعفاءِ من النساءِ والصبيان، وانتزعتِ الهيبةُ والقوامةُ من الرجال، يومَ أن أصبحَ الهوى حاكماً، والشهوةُ رائدةً، والمصالحُ الشخصيةُ غرضاً، يومَ أنَّ أصبحنا كذلكَ ظهرت صورٌ من الفصامِ النكد، بين الواقعِ والواجبِ، بين ما نعلمُهُ وما نفعلهُ، ظهرت في المجتمعِ صورٌ من الخللِ الأخلاقي

تجلىَّ في مظاهرَ عديدةٍ من المُخالفاتِ الشرعيةِ، يصعُبُ حَصرَها، والمجتمعُ يصطَلي بلظى آثَارَها وأخطارَها

ولستُ في سياقِ الحصرِ والعد، وإنَّما أُشيرَ إلى جانبٍ من جَوانبِ حياتنا، تجلَى فيه ذلكَ الخللُ وكان لسُلطانِ العاداتِ والتقاليدِ عليه أثرٌ بالغ ، ذالكُم هو حفلاتُ الزواج.

أيُّها المُسلمون:

لقد شُرعَ الزواجُ لتحقيقِ غاياتٍ نبيلةٍ، وأهدافٍ ساميةٍ، شُرعَ لتحصينِ الفروجِ وغضِّ الأبصارِ، وتحقيقِ الاستقرارَ النفسي والعاطفي، وبناءِ مجتمعٍ إسلاميٍّ يعمرُ الكونَ ويعبُدُ اللهَ، لكنَّ الزواجَ في عصرنا تحولَ بفعلِ العاداتِ والتقاليدِ وحبِّ المظاهرِ إلى عنتٍ وعناء، بدلاً من تحقيقِ السعادةِ والهناء، وأصبحَ سكّينةً بدلاً من تحقيقِ السكينة0

إنَّ الزواجَ في عصرِنا تحكُمُهُ عاداتٌ وتقاليد، جعلت منهُ غايةً يصعبُ الوصولُ إليها، وجنةً لا يصِلُها الإنسان إلاَّ بديْنٍ يُورثُ الهمَّ بالليل، والذلَّ بالنهار 0

أيُّها المسلمون:

زواجُ هذا العصرِ محفوفٌ بمجموعةٍ من المُخالفاتِ الشرعية، التي تتنافى مع مقاصِدهِ وغاياتِهِ عبرَ سلسلةٍ من المنكراتِ، ابتداءً من المهورِ وانتهاءً بالقصورِ، تبتدئُ تلكَ المخالفاتِ من حينِ العزمِ على الزواجِ يومَ أن يُفرضَ على الشبابِ مهورٍ عاليةٍ، وشروطٍ قاسية، فيُصبحُ الشابُ رهينٌ مهين، إمَّا همُّ الزواجِ بتكاليفهِ الباهظة، أو همُّ مُواجهةِ تيارٍ هائجٍ من الفتنِ والمُغرياتِ والشهوات.

لقد فرضَ الشرعُ الشريفُ المهرَ للزوجةِ منحةً وتقدير، تحفظُ عليها حياءَها وخَفَرَها وتعبرُ عن تكريمِ الزوجِ لها، ورغبتهِ فيها، إلاَّ أنَّهُ من جانبٍ آخر حثٌّ على يُسرهِ وخفَّتهِ، ففي الحديثِ خيرُ النِّكاحِ أيسَرَهُ مؤونة0

وخطبَ عُمر- رضي الله عنه- فقال: ألا لا تُغالوا في صَدُقاتِ النساءِ فإنَّ ذلكَ لو كانَ مَكرُمَةً في الدنيا وتقوى عندَ الله، كان أُولاكم بها رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ما أصدقَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- امرأةً من نسائهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت