الحمد لله عز واقتدر، وعلى وقفه لا محيد عنه ولا مفر؛ أحمده سبحانه وأشكره؛ وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأتوب إليه وأستغفره؛ يقبل توبة عبده إذا أناب واستغفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة تنجي قائلها يوم العرض الأكبر؛ وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله؛ سيد البشر؛ الشافع المشفع في المحشر - صلى الله وسلم وبارك عليه - وعلى آله الأصحاب الأخيار، وأصحابه السلف الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا؛ ما اغتفلت عين بنظر وأذن بخبر؛ أما بعد.
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فاتقوا الله ربكم؛ فأهل النجاة والخلاص هم أهل التقوى والوفاء والإخلاص الذين يوفون مع الله مواثيقه، ويخلصون له في يقينه وتصديقه؛ فيا ويح الغافلين؛ خف زادهم، وقل مزادهم؛ فطال عليهم السبيل، وحار فيهم الدليل قصر أجل مع طول أمل وتقصير في عمل؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ فالأجداد أبلتهم الأيام والأبناء على ما بقي عنهم من الأنباء؛ ففيم الحرص؟!.. أعلى ضل زائل، ومقيل أنت عنه حائل؛ فاتقوا الله رحمكم الله، (( وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) ) (البقرة: 281) .
أيها المسلمون: حديث الناس في هذه الأيام عن الإصلاح والانفتاح والبناء والتسامح، والتعاون ونبذ الخلافات، ومحاربة الظلم والعدوان، والفساد والإطفاء، وانتهاج منهج الوسطية والاعتدال، وحديث الإصلاح هذا حديث ذو شجون لا يحصره مثل هذا المقام، ولا تحيط به مثل هذه الكلمات، وإن كان لزاما على أهل العلم والمصلحين وأصحاب الرأي الحديث عنه، وبيان أسسه ورصد معالمه، وانتهاج دروبه ومسالكه؛ ومن المأساة ان بعض المتحدثين عن الإصلاح والانفتاح من أصحاب الرأي والفكر والثقافة من المسلمين يسوء فهمهم أو يسوء تفسيرهم أو تسوء عبارتهم بقصد أو بغير قصد.
معشر المسلمين: إن لدى كل مسلم ولله الحمد يقينا صادقا، وعقيدة راسخة بأن الإسلام قد كفل بأتباعه أفرادا ومجتمعات وأمة؛ كفل لهم السعادة والكرامة في الدنيا، وحسن الثواب في العقبى؛ متى ما تمسكوا بدينهم والتزموا هدي نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ كما أن لدى المسلمين قاعدة راسخة وأصلا ثابتا؛ وهي أن الحفاظ على الدين والاستمساك بالهوية الإسلامية لن يتحقق إلا بانتماء المسلمين الصادق لدينهم المبني على صحة المعتقد، وحسن الإتباع، وصدق الالتزام بأحكام الشرع قولا وعملا واعتقادا.
معاشر الأحبة: أمام هذه الثوابت، وأمام طول الموضوع وتشعبه؛ قد يكون من الملائم اختيار نموذج لدلالات وأبعاد يوضح المقصود، يبين المراد فيه إشارات لمعالم الوسطية؛ إنه نموذج الوسطية في شأن المرأة وحقوقها ومشكلاتها.
وسطية بين تحكيم نصوص الشرع المطهر وأحكامهن والخلاص من مذموم العادات وسيء التقاليد؛ تحكيم لحكم الشرع في القديم وفي الجديد؛ وسطية وإصلاح تميز الأصالة والثوابت مما ليس منها، وتنفي عن المعاصر والجديد ما ليس من لوازمه.
أيها المسلمون: حقوق المرأة كلمة ما أكثر ما تحدث عنها المتحدثون والمتحدثات وتزينت وتزيدت بها بعض المقالات والصفحات والدعوات والادعاءات، وما أكثر ما أثيرت فيها المحاضرات والمحاورات!.
وأما مضمون هذه الحقوق؛ فحدث عنه لاميتها وفضفاضيتها ولا حرج؛ بل إن كثيرا من الطروحات والمعالجات تراها ضائعة مبعثرة بين دعاوى المدعين وأهواء أصحاب الأهواء، ومنون أصحاب الانتماء، وتصنيف ذوي التصنيفات؛ وقد لا تخلو بعض الطروحات من تمييع ونفاق والتفاف وغموض.
حقوق المرأة، وحقوق الإنسان يصاحبها لدى بعض الكاتبين والكاتبات إما عدم وضوح في المراد؛ وإما عدم وضوح في الغاية؛ وبسبب هذا صار الناصحون وغير الناصحين يدورون في حلقات مفرغة؛ وضاعت الحقيقة والحقوق، وضيعت الأوقات، وتبعثرت الجهود، وصارت النزاعات والمناقشات السفسطائية.
أيها المسلمون: ما من شك أن للمرأة حقوقا؛ كما ان للرجل حقوقا، وعليها واجبات؛ كما على الرجل واجبات؛ كما أن من اللازم المتعين تبصير المرأة بحقوقها، ومساعدتها في تحصيلها وحفظها وحمايتها؛ بل إن من تفقهها في دينها أن تعلم انه ليس من الحياء ولا من حسن الأخلاق ألا تطالب بحقوقها أمام أبيها وأخيها وزوجها؛ فقوامة الرجل حق ومسئولية؛ ولكنها ليست تسلطا ولا ظلما ولا تعسفا.
في ديار المسلمين ممارسات ظالمة جائرة؛ يجب النظر فيها وإعطاؤها ما تستحق من الأهمية والأولوية، وجعلها في صدر الاهتمامات والمعالجات.
إن المرأة تعاني صورا من الظلم والقهر، والإقصاء والتهميش، وغمت الحقوق في معاشها وتربيتها، والنفقة وحق الحضانة، والعدل في المعاملة؛ فضلا عما يطلب لها من حق الإحسان والتكريم والتبجيل.
إن هناك تسلطا على ممتلكاتها، وسلبا لحقها في اتخاذ القرار والمشاركة فيه في كثير من شئونها وخاصتها؛ فمن حقها العدل في القسمة، والعدل في توزيع الميراث والثروة والمنح والهبات والعطايا؛ حسب ما تقضي به أحكام الشرع المطهر؛ ناهيكم فيما يقع من بعض أحوال الضرب والقهر والعضل والشرار، والحرمان من الحضانة والنفقة، وما يقع خلف جدران البيوت وأسوار المنازل من التعسف والتنكيل والحسرة والألم والممارسات الظالمة؛ فيجب مساعدتها وتشجيعها وتبصيرها ودعمها في أن ترفع الظلم الواقع عليها؛ فترفع مظلمتها لمن ينصفها من أقاربها وعقلاء معارفها وحكمائهم، ومن القضاة والمسئولين وولاة الأمور.
إن الإقصاء والتهميش، وإنكار دور المرأة في بيتها ومجتمعها - ناهيكم باحتقارها وتنقصها وظلمها وغمت حقوقها - كلها مسائل وقضايا لا يجوز السكوت عليها؛ فضلا عن إقرارها والرضا بها.
معاشر الأحبة: هذه جوانب من المشكلة أو القضية، وثمت جوانب أخرى لابد من النظر فيها؛ إن الذي يقال بكل جلاء ووضوح: إن الإسلام لم يوجب ولم يفرض ولم يحمل المرأة مسئولية العمل خارج المنزل؛ لكنه لا يمنعها من ممارسته بضوابطه الشرعية؛ فالإسلام حررها من مسئولية العمل وحتميته خارج المنزل؛ لكي لا تقع تحت ضروريات العمل الذي يستعبدها ويستغلها ويظلمها.
أيها المسلمون: وهذا يحتاج إلى مزيد بسطه؛ فتأملوا - وفقكم الله - ما يجري في هذا العالم المعاصر؛ إن العنصر الطاغي والعامل المؤثر؛ هو العامل الاقتصادي؛ أما في الإسلام؛ فإن الاقتصاد او عامل الاقتصاد عامل من العوامل وعنصر من العناصر له تأثيره الذي لا ينكر؛ ولكنه بجانب عوامل أخرى ومعايير أخرى.